شهدت مدينة العقبة حوارا وطنيا موسعا حول دور المدينة في تشكيل الوجدان الأردني ضمن مشروع السردية الأردنية الذي يهدف إلى توثيق التاريخ الوطني بأسلوب علمي وموضوعي. وجاءت هذه الفعالية لتسلط الضوء على مدينة العقبة كرمز للثغر الباسم ومحطة مفصلية في مسيرة الدولة الأردنية منذ انطلاق الثورة العربية الكبرى وحتى العصر الحديث. واكد المشاركون خلال الندوة التي أقيمت في سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة على أهمية ربط الجغرافيا بالتاريخ لإبراز الهوية الوطنية الراسخة.

واستعرض وزير الثقافة مصطفى الرواشدة خلال كلمته كيف تحولت العقبة إلى قاعدة عسكرية استراتيجية غيرت مجرى الأحداث في الثورة العربية الكبرى ونقلت العمليات من الدفاع إلى الهجوم. وبين الرواشدة أن مشروع السردية الأردنية ليس مجرد سرد للأحداث بل هو قراءة متعمقة للتحولات الإنسانية والمواقف التي شكلت وجدان الشعب الأردني وأسست لحاضر ومستقبل الدولة. وأضاف أن ساحة الثورة العربية الكبرى في العقبة أصبحت اليوم معلما يجسد هذا الإرث الحضاري ويحفظ ذاكرة الأجيال.

وشدد النائب عبدالباسط الكباريتي على أن الأردن بفضل موقعه الجغرافي الفريد شكل عبر العصور ملتقى للحضارات وطرق التجارة العالمية مما منح الهوية الأردنية ثراء استثنائيا. وأوضح الكباريتي أن رؤية القيادة الهاشمية كانت الركيزة الأساسية في بناء الدولة المعاصرة وتحويل العقبة إلى بوابة اقتصادية كبرى ومحور جذب استثماري عالمي. وأكد أن استحضار التاريخ في هذه الندوات يسهم في تعزيز روح الانتماء لدى الشباب والاعتزاز بالمسيرة الوطنية الممتدة.

التراث العقباوي وجذور الاستقرار في الجنوب

وأشار الباحث نايف النجادات إلى أن تاريخ العقبة يمتد لجذور سحيقة في القدم كمدينة مأهولة شكلت حلقة وصل بين الجزيرة العربية وبلاد الشام ومصر. وأضاف النجادات أن منطقة القويرة وإقليم حسمى يمثلان رصيدا حضاريا يستحق التوثيق والبحث كونهما لعبا دورا حيويا في حركة التجارة والنشاط البشري عبر القرون. وبين أن تسليط الضوء على هذه المناطق ضمن المسارات السياحية يعزز من مكانة الجنوب الأردني على خارطة السياحة التاريخية العالمية.

وتناول الباحث محمد المغربي الموروث الاجتماعي للبحر وأهالي العقبة مستحضرا حكايات الصيادين التي تعكس قيم الصبر والمثابرة في مواجهة التحديات. وأوضح المغربي أن نمط الصيد الفردي والرحلات الطويلة في عرض البحر الأحمر ليست مجرد مهنة بل هي جزء أصيل من السردية الوطنية التي تعبر عن ارتباط الإنسان الأردني ببيئته. وأكد أن العادات والتقاليد الشعبية والأعراس والمناسبات الاجتماعية تشكل ركنا جوهريا في صون الهوية الثقافية للأجيال القادمة.

واختتمت الندوة بنقاش تفاعلي واسع شارك فيه أكاديميون ومهتمون بالشأن الثقافي حول سبل توثيق التاريخ الوطني وحمايته من الاندثار. وبين المشاركون أن تعزيز الوعي بالسردية الأردنية يعد مسؤولية مجتمعية تتطلب تضافر الجهود لإبراز الإنجازات التي حققها الأردن بقيادة الهاشميين. وأكد الجميع أن العقبة ستظل دائما بوابة الأردن الجنوبية ورمزا للعراقة والتجدد في آن واحد.