تتجه استراليا بخطوات متسارعة نحو فرض قيود صارمة على استخدام النظارات الذكية المزودة بكاميرات داخل المؤسسات الحكومية وبيئات العمل الحساسة. وكشفت السلطات الأسترالية عن دراسة جدية لمنع هذه الأجهزة نظرا لقدرتها الفائقة على التقاط الصور وتسجيل المقاطع الصوتية بشكل خفي يصعب على المحيطين رصده مقارنة بالهواتف المحمولة التقليدية. واوضحت وزيرة الخدمة العامة كاتي غالاغر أنها طلبت من اللجنة المختصة وضع توصيات دقيقة حول إمكانية حظر هذه الأدوات وتحديد الاستثناءات الضرورية لضمان خصوصية الموظفين والمراجعين.
واكدت الحكومة الأسترالية أن التحركات الحالية لا تستهدف منع استيراد الأجهزة بل تركز على تنظيم استخدامها في الأماكن التي تتطلب سرية عالية. واضاف تقرير رسمي أن هذه الخطوة تأتي ضمن سلسلة إجراءات دولية بدأت في كندا والنرويج وبريطانيا والولايات المتحدة لمواجهة التحديات التي تفرضها التكنولوجيا القابلة للارتداء. وبينت المعطيات أن هناك توجها متزايدا لدى جهات أوروبية لتشديد الضوابط القانونية على هذه التقنيات لضمان عدم انتهاك خصوصية الأفراد في الفضاءات العامة.
وشدد خبراء تقنيون على أن النظارات الذكية تختلف جوهريا عن الهواتف لأنها تدمج تقنيات الرصد في إطار يبدو كأنه نظارة عادية لا تثير الريبة. واشاروا إلى أن التحدي لا يقتصر على الكاميرا فحسب بل يمتد إلى قدرات الذكاء الاصطناعي التي تتيح تحليل المشاهد وترجمة النصوص وتحديد هوية الأشخاص لحظيا. وذكرت هيئة السلامة الإلكترونية أن الحل قد يكمن في فرض ضوابط تصميمية إجبارية مثل وجود مؤشرات ضوئية واضحة للتسجيل وطمس الوجوه تلقائيا للحفاظ على الخصوصية.
قيود تتوسع من كندا إلى أوروبا
وتشهد كندا إجراءات صارمة حيث منعت وزارة الدفاع استخدام هذه النظارات في المواقع العسكرية والأمنية الحساسة حتى لو كانت في وضع الطيران. واضافت السلطات الكندية حظرا مماثلا في معسكرات التدريب العسكري لحماية المعلومات الاستراتيجية من التسريب غير المقصود. واوضحت تقارير أن بريطانيا والولايات المتحدة اتخذتا خطوات مشابهة داخل قاعات المحاكم لمنع تسجيل الجلسات القضائية بشكل سري.
وبينت مدينة أوسلو في النرويج موقفا حازما بمنع هذه الأجهزة في المدارس لحماية الطلاب من المراقبة الرقمية غير القانونية. واكدت السلطات المحلية في أستراليا أن المجالس البلدية بدأت تتبنى قيودا في المرافق العامة مثل المسابح والمكتبات وقاعات الاجتماعات. واوضحت الدراسات أن هذه التحركات تعكس قلقا عالميا متزايدا من قدرة الأجهزة الصغيرة على تحويل الحياة اليومية إلى مادة رقمية قابلة للتحليل دون موافقة مسبقة.
وكشفت منظمة الحقوق الرقمية في ألمانيا عن تحرك قانوني ضد شركة ميتا بدعوى انتهاك قوانين الخصوصية المتعلقة بالتسجيل الخفي. واضافت هيئة الشبكات الفدرالية أن الموازنة بين الابتكار وحماية الحقوق الشخصية أصبحت تتطلب قوانين أكثر صرامة. وبينت فرنسا من خلال هيئة حماية البيانات أنها فتحت تحقيقات جنائية إثر بلاغات حول استخدام نظارات ذكية في تسجيل نساء دون إذن منهن مما يعزز الحاجة إلى قواعد تنظم هذه الصناعة.
مستقبل التكنولوجيا بين الحظر والتطوير
وظهرت مؤشرات على أن الشركات المصنعة بدأت تستجيب لهذه الضغوط عبر محاولة تطوير نسخ خالية من الكاميرات لتركيز مهام الذكاء الاصطناعي على المساعدة الشخصية فقط. واضافت التقارير أن الحظر ليس الحل الوحيد نظرا للفوائد الكبيرة لهذه النظارات في دعم ذوي الإعاقة البصرية. واكد المختصون أن التوجه القادم سيعتمد على تقنين الأماكن المسموح فيها بالاستخدام بدلا من المنع الشامل.
واوضحت التجارب الدولية أن الاختبار الحقيقي يكمن في جعل عملية التسجيل مرئية للجميع وتوفير شفافية كاملة حول كيفية معالجة البيانات. وبينت النتائج أن الأجهزة القابلة للارتداء ستظل تحت المجهر التنظيمي لفترة طويلة حتى يتم التوصل إلى صيغة توازن بين التقدم التقني والحق في الخصوصية. واكدت الجهات الرقابية أنها ستستمر في مراقبة تطورات هذه الأجهزة لتحديث التشريعات بما يتناسب مع المخاطر الناشئة.
