بقلم العميد ركن متقاعد ايمن الروسان
لم يعد السؤال المطروح اليوم هو ما اذا كان الاردن يتاثر بارتدادات الازمات الاقليمية فذلك اصبح حقيقة فرضتها الجغرافيا وتعقيدات الاقليم ، السؤال الاكثر اهمية هو كيف يمنع الاردن ان يتحول الى ساحة لتبادل الرسائل بين القوى المتصارعة . وفي ظل التصعيد بين الولايات المتحدة وايران تبدو طهران حريصة على تجنب مواجهة مباشرة مع القوة الامريكية او الانزلاق الى حرب واسعة مع اسرائيل لما قد يترتب على ذلك من كلفة عسكرية واقتصادية باهظة وفي مثل هذه الظروف يزداد الحديث عن استخدام ساحات اخرى لايصال الرسائل السياسية والعسكرية وهو ما يفرض على الاردن اعلى درجات اليقظة بحكم موقعه الجيوسياسي وحساسية بيئته الامنية وبصورة اوضح فان تجنب طهران استهداف القطع البحرية والبوارج الامريكية المنتشرة في المنطقة بشكل مباشر وتجنبها فتح مواجهة شاملة مع اسرائيل خشية استدراج رد عسكري مدمر لا طاقة لها به قد يدفعها الى البحث عن جبهات بديلة تحقق من خلالها رسائلها السياسية والعسكرية باقل قدر من المخاطرة وهنا يجد الاردن بحكم الجغرافيا المعقدة والجيوسياسة الحساسة نفسه في مرمى محاولات اختبار الامن والاستقرار . لا يقتصر التحدي على ما قد يعبر الاجواء من صواريخ او طائرات مسيرة بل يمتد الى تهديدات اكثر تعقيدا تتمثل في محاولات تهريب الاسلحة والمخدرات عبر الحدود وما قد يرتبط بها من شبكات منظمة تستهدف الامن الوطني والسلم المجتمعي وهذه التهديدات تؤكد ان المواجهة لم تعد تقليدية بل اصبحت متعددة الادوات والمسارات . لقد اثبتت القوات المسلحة الاردنية والاجهزة الامنية كفاءة عالية في حماية الحدود والسيادة واحباط محاولات التسلل والتهريب الا ان طبيعة التهديدات المتغيرة تفرض مراجعة مستمرة لمعادلات الردع فالردع الدفاعي مهما بلغت كفاءته يحقق نجاحا في احباط الاعتداء لكنه لا يكون كافيا وحده اذا لم يقتنع الطرف المقابل بان اي محاولة للمساس بامن الاردن ستكون مكلفة سياسيا وامنيا . فالردع الحقيقي لا يعني البحث عن المواجهة او التصعيد وانما منعها عبر بناء معادلة تجعل كلفة اي اعتداء او محاولة استغلال للاراضي او الاجواء الاردنية اعلى من اي مكسب يمكن تحقيقه وهذه المعادلة لا تقوم على القوة العسكرية وحدها بل على تكامل الادوات السياسية والدبلوماسية والاستخبارية والعسكرية بما يعزز قدرة الدولة على حماية مصالحها وسيادتها
ان الاردن لم يكن يوما طرفا في الصراعات الاقليمية لكنه يرفض في الوقت ذاته ان يكون ممرا او ساحة لتصفية الحسابات بين الاخرين ومن هنا فان الحفاظ على الامن الوطني يتطلب استمرار تطوير منظومة الردع بما يتناسب مع طبيعة التهديدات المتغيرة وبما يبعث برسالة واضحة الى جميع الاطراف بان السيادة الاردنية ليست مجالا للاختبار وان الحدود والاجواء الاردنية ليست ساحة لتبادل الرسائل او تصفية الحسابات . وفي منطقة تتغير فيها قواعد الاشتباك بسرعة يبقى امن الاردن واستقراره خطا احمر ومعادلة لا يمكن المساس بها لان قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على صد التهديدات بل ايضا بقدرتها على منع وقوعها قبل ان تبدا .
