اعداد: سوزان أبو بكر
الأردن- مادبا
وسط الطبيعة الهادئة والمساحات الخضراء، تقف مزرعة السوسنة السوداء اليوم كواحدة من المشاريع السياحية والبيئية المميزة في الأردن. إلا أن هذا المشروع لم يولد في ظروف اعتيادية، بل كانت بدايته خلال واحدة من أصعب الفترات التي مر بها العالم، وهي جائحة كورونا. وفي حديثه، يروي صاحب المزرعة د. اياد الخريشة تفاصيل رحلة بدأت بفكرة بسيطة، وتحولت إلى مشروع يضم مئات الحيوانات النادرة ويستقطب آلاف الزوار.
32 عاماً في الغربة. والعودة الى الوطن لتحقيق الحلم

يروي د. اياد أنه أمضى اثنان وثلاثون عامًا في الولايات المتحدة الأمريكية ، حيث أضاف " ولدت في الكويت وبعد تخرجي عام 1980 أكرمني الله بمنحة دراسية لمتابعة دراسة الدكتوراه في علوم الطاقة في الولايات المتحدة الأمريكية، وبعد الحصول على الشهادة قدمت العديد من الأبحاث والدراسات المختلفة في علوم الطاقة، وخلال اقامتي في أمريكا ساعدت شخصاً لا أعرفه وفككت له كرباً كان قد ألم به، وبعد فترة عرض أن اشتري هذه المزرعة، فوافقت دون أن أعلم موقعها، كنت انغمس في العمل لدرجة أنني لم اخذ في حياتي عطلة او إجازة، كان والدي يأتي الى أمريكا كل 6 أشهر، وبعد عودته الى الأردن، أصيب بجلطة دماغية استوجبت عودتي للبقاء بجانبه وتزامن ذلك في بداية جائحة كورونا، كنت أذهب معه الى المزرعة في محاولة للتخفيف عنه، كنت أملك حينها عدد محدود من الغزلان وبرجاً للطيور، كنت أشعر بطاقة أمل وإيجابية تلتف حول والدي، فشعرت أن هذه الحيوانات تعطي طاقة إيجابية وأمل وحياة، ومن هنا بدأت تتبلور أمامي فكرة هذا المشروع.
أما عن اسم المزرعة، فيوضح أنه استوحاه من زهرة السوسنة السوداء، الزهرة الوطنية للأردن، بعدما شاهدها خلال جولة خلف منزله الكائن داخل المزرعة. فأعجب بجمالها، ونقلها وزرعها أمام المنزل على مساحة تُقدر بنحو ستة وثمانين مترًا، لتصبح مصدر إلهام يحمل المشروع اسمه حتى اليوم.
حيوانات نادرة وتجربة تجمع بين الترفيه والتثقيف
وفيما يتعلق بالحيوانات، يؤكد أنه حرص على استقدامها من داخل الأردن وخارجه وفق جميع الإجراءات القانونية والأوراق الرسمية، وكان يبحث دائمًا عن الأنواع النادرة والجميلة ليمنح الزائر تجربة مميزة تجمع بين الترفيه والتثقيف البيئي.
ويبين أن جميع إجراءات المشروع قانونية ومكتملة، وأن المزرعة توفر فرص عمل لما يقارب اثنين وثلاثين عاملًا، وهو ما يعكس دورها في دعم الاقتصاد المحلي.
وحول فكرة التفاعل المباشر بين الزوار والحيوانات، يوضح أنها جاءت بعد زيارته لمزرعة كبيرة في كندا، حيث شاهد تجربة تسمح للزوار بالدخول والتفاعل مع الحيوانات وإطعامها، فأراد نقل هذه الفكرة إلى الأردن بأسلوب يتناسب مع البيئة المحلية، ليمنح العائلات والأطفال تجربة مختلفة تجمع بين المتعة والتعلم.


12 يوما من الاغلاق وتحديات القرار المفاجئ
يستذكر د. اياد صاحب مزرعة السوسنة السوداء لحظة صدور قرار الإغلاق المفاجئ، مؤكدًا أن القرار شكّل صدمة كبيرة له، خاصة أن المشروع كان قائمًا ويعمل وفق إجراءات رسمية، وأن المزرعة تضم أعدادًا كبيرة من الحيوانات التي تحتاج إلى رعاية مستمرة ولا يمكن التعامل معها كأي نشاط تجاري آخر.
ويوضح أن أكثر ما أثار قلقه في تلك المرحلة هو مصير الحيوانات، خصوصًا الأنواع النادرة التي تحتاج إلى عناية خاصة وظروف بيئية مناسبة، مشيرًا إلى أنه حاول طلب مهلة زمنية تمكنه من معالجة الأوضاع والمحافظة على الحيوانات، إلا أن القرار جاء في ظروف صعبة ومفاجئة.
وبعد ذلك، عُقد اجتماع للجنة المختصة لمناقشة وضع المزرعة، حيث تم تحديد ٢٩ بندًا ومتطلبًا للعمل على معالجتها. ويؤكد صاحب المزرعة أنه تعامل مع هذه الملاحظات بكل جدية، وسعى إلى تنفيذ المطلوب حفاظًا على المشروع واستمراريته، رغم أن المرحلة كانت مليئة بالتحديات والضغوط.
ويشير إلى أن الأزمة لم تكن مجرد خسارة مادية، بل كانت تجربة مؤلمة سببت له حزناً شديداً على المستوى الإنساني، لأنه كان يرى الحيوانات التي اعتنى بها لسنوات تواجه ظروفًا صعبة، مؤكدًا أن هدفه الأساسي كان دائمًا توفير بيئة مناسبة للحيوانات وتقديم تجربة مختلفة للزوار.
بعد 12 يوما من الاغلاق... السوسنة السوداء تستعيد نبضها من جديد
وبعد أيام صعبة عاشتها مزرعة السوسنة السوداء، عادت أبوابها لتُفتح من جديد أمام الزوار، في لحظة حملت الكثير من المشاعر لصاحب المشروع والعاملين فيه. ويصف د. إياد الخريشة هذه العودة بأنها لحظة فرح وأمل، خاصة عندما رأى الحيوانات تعود إلى مساحاتها وتستقبل الزوار من جديد، مؤكدًا أن المشهد أعاد إليه الثقة بأن الجهود المبذولة للحفاظ على المشروع لم تذهب سدى.
ويشير إلى أن إعادة افتتاح المزرعة لم تكن مجرد عودة لنشاط سياحي، بل كانت رسالة بأن المشاريع الاستثمارية التي تحمل قيمة اقتصادية وبيئية وإنسانية تستحق الدعم والرعاية. كما أكد أن تجاوز هذه المرحلة عزز إيمانه بأهمية العدالة في التعامل مع المستثمرين، وضرورة وجود قرارات تراعي طبيعة المشاريع المختلفة، خصوصًا تلك المرتبطة بالكائنات الحية التي تحتاج إلى رعاية مستمرة.
ووجه صاحب مزرعة السوسنة السوداء شكره وتقديره لكل من وقف إلى جانب المشروع خلال فترة الأزمة، مثمنًا جهود الجهات التي ساهمت في حل الإشكاليات، كما أعرب عن امتنانه وشكره للقيادة الهاشمية و للسادة النواب وكل من نقل من قنوات إعلامية وأشخاص صوت المشروع وساهم في إيصال قضيته، إضافة إلى كل الداعمين الذين آمنوا باستمرار المزرعة ورسالتها. وأكد أن هذا الدعم يمثل دافعًا لمواصلة العمل وتطوير المشروع ليبقى إضافة نوعية للقطاع السياحي والبيئي في الأردن.
