بقلم : عوني الرجوب

باحث  وكاتب سياسي⁠

    

الطبل الذي قاد الجيوش… لن يكون رمزًا للفراغ؟

يتداول الناس قولًا شائعًا: “الطبل يعلو صوته لأنه أجوف.” ثم ما لبث بعضهم أن جعل منه حكمًا جاهزًا على البشر، فصار كل من يرفع صوته بالاعتراض، أو يطالب بحقه، أو يواجه الخطأ، يُوصم بأنه “طبل أجوف”؛ وكأن ارتفاع الصوت وحده دليل خواء، وكأن الصمت وحده علامة حكمة ورجاحة.

لكن هل يصلح مثلٌ دارج أن يكون ميزانًا تُوزن به العقول والرجال؟

في الحقيقة، لقد ظلم هذا المثل الطبل قبل أن يظلم الإنسان.

فالطبل لم يكن يومًا رمزًا للفراغ، بل كان عبر التاريخ أداةً للنظام، وعلامةً على الانضباط، ولسانًا للإعلان والتنبيه. لم يكن صوته مجرد ضجيج عابر، بل كان نداءً يفهمه الناس، وإشارةً تستجيب لها الجموع. على إيقاعه كانت الصفوف تنتظم، وخطوات الجنود تتوحد، وبه يُعلن النفير عند الحرب، وتُستقبل بشائر السلام، وتُقام المراسم الرسمية، ويشارك الناس أفراحهم كما يرافقهم في لحظات الوداع والجنازات.

لم يكن صوت الطبل صخبًا بلا معنى، بل كان رسالةً تؤدي وظيفة، وتعلن موقفًا، وتُحدث أثرًا.

ولو لم يكن الطبل مجوفًا، لما خرج منه ذلك الإيقاع الذي جمع الصفوف، وضبط الحركة، وأدى الغرض الذي وُجد من أجله.

وهنا يبرز السؤال الأهم: هل كل ما كان مجوفًا يكون بلا قيمة؟

الجواب: قطعًا لا.

فالقلب، بما فيه من تجاويف، هو سر الحياة. والرئتان مجوفتان لتؤديا وظيفة التنفس. والمعدة فراغٌ داخلي تقوم به عملية لا تستقيم الحياة بدونها. والسفينة لا تحمل أثقالها إلا لأنها مجوفة من الداخل، والمنطاد لا يعلو إلا بفضل فراغه، والبيت لا يصير مأوى إلا لأن داخله مساحة خالية تحتضن الإنسان وتجمع الأسرة وتفتح صدرها للغني والفقير على السواء.

إذن، ليست المشكلة في الفراغ ذاته، بل في وظيفته وما يثمره. فالفراغ قد يكون مصدر قوة، وأساس حركة، وسبب نفع، ووعاء حياة.

وكذلك الإنسان؛ فلا تُقاس قيمته بعلو صوته أو انخفاضه، بل بما يحمله من فكر، وما يلتزم به من مبدأ، وما يقدمه من عمل. فقد يكون الصوت المرتفع صوت حق، وصوت ضمير، وصوت من يرفض الباطل ويواجه الخلل. وقد يكون الصوت المنخفض مجرد صمتٍ لا يحمل موقفًا، ولا ينهض بمسؤولية.

ولو كانت الأصوات العالية بلا أثر، لما سعى أحد إلى إسكاتها؛ فالذي يزعج الناس ليس مجرد ارتفاع الصوت، بل قوة الحقيقة التي يحملها.

أما الطبل الأجوف الحقيقي، فليس من يرفع صوته دفاعًا عن قضية عادلة، بل من فقد صوته الداخلي قبل الخارجي. هو من يعيش تابعًا لغيره، يردد ما يسمع دون وعي، ويصفق بلا قناعة، ويهتف بلا فهم، ويؤيد أو يعارض لأن الآخرين فعلوا ذلك. 

ذلك هو الفراغ الحقيقي: فراغ العقل، وفراغ المبدأ، وفراغ الضمير.

ولهذا فإن تشبيه الرجال بالطبل الأجوف تعميمٌ لا يستقيم؛ فالرجال لا تُعرف قيمتهم بعلو أصواتهم أو انخفاضها، وإنما تُعرف بثبات مواقفهم، وصدق كلماتهم، وشجاعتهم في تحمل مسؤولية ما يقولون وما يفعلون.

فليس كل أجوف فارغًا، وليس كل صامت حكيمًا، وليس كل مرتفع الصوت عديم القيمة. العبرة ليست بشكل الشيء، بل برسالته؛ وليست بحجمه، بل بأثره. فصاحب الحق قد يرفع صوته في وجه الباطل، لأن الحق إذا سكت ضاع، وإذا نطق أبان.

فالطبل لم تكن قيمته يومًا في امتلائه، بل في أثره وصوته ودوره. وكذلك الإنسان لا يُقاس بكمية الضجيج الذي يصنعه، ولا بدرجة الصمت التي يلتزمها، وإنما بما يتركه من أثر، وبما يحمله من حق، وبما يثبت عليه من مبدأ

تمثل  مقالتي  دعوة صريحة إلى قراءة الناس بمواقفهم لا بأصواتهم وحدها ،  فعندما يعلو الصوت ويتبعه الموقف والفعل معا  حينها لم يكون الصوت اجوف

وعندما يكون الرد بالصمت وحده تكون الطبول غير فاعله ومثقوبة من الاتجاهين  وهذا تذكير حكيم بأن الفراغ ليس في الحنجرة ولا في الأذن، بل في الرأس الذي لا يفكر، والقلب الذي لا يشعر

في النهاية ليست  مقالتي دفاعاً عن الضجيج، ولا قدحاً في الصمت؛ بل هي ميزانٌ تُوزَن به المواقف. فالصوت العالي الذي يساند موقفاً هو طبل حربٍ لنُصره الحق، والصمت المنطوي على حكمةٍ هو سيفٌ مصقول؛