المستشار الإعلامي / جميل سامي القاضي

قد يخلع الجندي بزته العسكرية مع انتهاء سنوات الخدمة، لكن هناك رجالا لا يخلعون الوطن من قلوبهم، ولا ينزعون قسم الشرف من ضمائرهم. هؤلاء هم متقاعدو القوات المسلحة الأردنية والأجهزة الامنية، الذين غادروا الثكنات، لكنهم لم يغادروا مواقعهم الحقيقية في الدفاع عن الأردن، وظل لسان حالهم يقول: «وتبقى البذلة الوطنية نرتديها بالفطرة.»
لقد خلعوا بذلة «الفوتيك»، لكنهم ارتدوا ما هو أعظم منها وأبقى؛ بذلة الوطنية الخالصة، التي لا تمنح بقرار، ولا تنزع بإحالة على التقاعد، لأنها مزروعة في النفوس منذ الولادة، وموروثة عن آباء وأجداد عرفوا بالشرف، ونقاء الأصل، وصدق الانتماء، وحفظ العهد، وصيانة الكرامة.
هؤلاء الرجال ينحدرون من قبائل وعشائر أردنية أصيلة، سطرت صفحات المجد، وكانت خيولها تسبق إلى ميادين البطولة، وقدمت الرجال في سبيل بناء المملكة الأردنية الهاشمية، وحماية ثراها، وصون أمنها واستقرارها. كانوا، وما زالوا، الركن الصلب الذي قامت عليه الدولة، والسياج الذي حمى الوطن في أصعب المراحل.
سنوات خدمتهم لم تكن رحلة للبحث عن المكاسب، ولا طريقا إلى النفوذ أو الامتيازات، بل كانت سنوات من التضحية والبذل والعرق. حملوا خلالها السلاح بيد، وحملوا الأمانة في القلب، فلم يعرفوا استغلال المنصب، ولم يتكبروا على الناس، بل غادروا الخدمة كما دخلوها؛ ناصعي السيرة، طاهري اليد، شامخي الهامة، يحملون احترام الجميع ومحبتهم.
واليوم، وبينما يواجه كثير منهم ضيق المعيشة، وارتفاع تكاليف الحياة، وتراكم الديون، فإنهم لا يزالون أوفياء لقسمهم، ثابتين على مبادئهم، مؤمنين بأن حب الوطن لا يرتبط براتب، ولا يتوقف عند رتبة، ولا ينتهي بقرار تقاعد.
إن متقاعدي القوات المسلحة والأجهزة الامنية ليسوا عبئا على الوطن، بل هم أحد أعمدته الراسخة. إنهم مدرسة في الانضباط، ومنجم للخبرة، وخزان للقيم، ورديف حقيقي للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية. متى ناداهم الوطن لبوا، ومتى احتاج إليهم كانوا أول الواقفين في صفوفه.
ومن الواجب الوطني والأخلاقي أن يحظى هؤلاء الأوفياء بما يليق بتضحياتهم، وأن ينظر إلى أوضاعهم المعيشية بعين الإنصاف والتقدير، فهم لم يبخلوا يوما بأعمارهم في سبيل الوطن، ولا يجوز أن يتركوا وحدهم في مواجهة قسوة الحياة.
سيبقى متقاعدو القوات المسلحة الأردنية  والأجهزة الامنية وساما على صدر الوطن، ورمزا للعزة والوفاء، وستظل رسالتهم الخالدة تتردد في كل بيت أردني:
«قد نخلع البذلة العسكرية، لكننا لن نخلع البذلة الوطنية أبداً... فالأردن يسكن فينا قبل أن نسكن فيه.