بقلم: المحامي حسام العجوري
منذ أن أرسى الهاشميون دعائم الدولة الأردنية، كانت الحكمة، والعفو عند المقدرة، وإصلاح ذات البين، قيمًا راسخة في نهج القيادة الهاشمية. فقد كان جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وما يزال، يؤكد في كل مناسبة أن وحدة الأردنيين وتماسكهم وتغليب لغة الحوار والتسامح هي الأساس المتين الذي يحفظ الوطن ويعزز استقراره، وأن قوة الأردن ليست في مؤسساته فحسب، بل في أخلاق شعبه وتكافله.
والأردنيون، أبناء العشائر والبوادي والقرى والمدن والمخيمات، لم يكونوا يومًا مجتمعًا تغلب عليه الخصومة، بل كانوا مدرسةً في الصلح، ومنارةً في إصلاح ذات البين، حتى غدت الجاهات، والعطوات، والصلح العشائري، من أنبل صور التراحم والتكافل الاجتماعي التي يفاخر بها الأردنيون العالم.
كم من قضية قتل، سالت فيها الدماء، وانكسرت فيها القلوب، ثم انتصرت الحكمة على الغضب، والعفو على الانتقام، والتسامح على الأحقاد، فعادت العلاقات أقوى مما كانت، وحُقنت الدماء، وصانت الدولة أمنها، وصان المجتمع وحدته.
ومن هنا، فإن قضية النائب حسن الرياطي، المحكوم بالحبس لمدة عامين على خلفية مشاجرة وقعت قبل خمس سنوات، لا ينبغي أن تبقى أسيرة الماضي إذا كانت أبواب الصلح ما زالت مفتوحة. وإذا كان القانون يجيز، عند تحقق شروطه، أن يكون الصلح سببًا لانقضاء آثار الدعوى أو للاستفادة من أحكام العفو العام حيث تنطبق، فإن المبادرة إلى الصلح تظل قبل كل شيء قيمةً أخلاقيةً ووطنيةً تستحق السعي إليها.
إنني، ومن باب المحبة لهذا الوطن، ومن باب الإيمان بعادات الهاشميين والأردنيين في التسامح وإصلاح ذات البين، أناشد أصحاب الجاهات، والشيوخ، والوجهاء، والنواب، وكل صاحب كلمة طيبة، أن يبادروا إلى رأب الصدع، وأن يسعوا إلى الصلح بين النائب حسن الرياطي والنائب شادي فريج، لتُطوى هذه الصفحة بروح الأخوة، لا بروح الخصومة.
فليس في الصلح مهزوم، وليس في العفو منتقص الكرامة، بل إن أعظم الانتصارات هو الانتصار على الغضب، وأشرف المواقف هو الذي يجمع ولا يفرق، ويصلح ولا يخاصم.
الأردن بُني على التسامح، واستقر بالحكمة، وكبر بتكاتف أبنائه. وما أحوجنا اليوم إلى أن نُحيي هذه القيم النبيلة، وأن نثبت أن مكارم الأردنيين لا تزال أقوى من الخلاف، وأن إرث الهاشميةميين في الإصلاح والعفو سيبقى منارةً نهتدي بها، لأن الأوطان تُصان بالمحبة، وتُبنى بالتسامح، وتبقى متماسكةً حين ينتصر العقل على الخصومة.
