بقلم : عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي
ما أكثر الذين يتحدثون عن الوفاء، وما أقل الذين يمارسونه.
فالوفاء ليس منشورًا على مواقع التواصل، ولا كلماتٍ منمقة تُكتب لتنال الإعجاب، ولا شعاراتٍ تُرفع عندما تخدم المصلحة. الوفاء قيمة تُترجم إلى مواقف، وتظهر عند الاختبار، لا عند الاستعراض.
المشكلة أن بعض الناس جعلوا الوفاء مفهومًا مشوهًا؛ فهم يريدونه من الآخرين، ولا يرون أنفسهم ملزمين به. يطالبون الجميع بأن يؤيدوهم، ويصفقوا لهم، ويصمتوا عن أخطائهم، ويعتبروا كل ما يصدر عنهم صوابًا لا يُناقش. فإذا اعترض أحد، أو قال كلمة حق، أو رفض مجاملتهم على حساب الحقيقة، سارعوا إلى اتهامه بقلة الوفاء، وكأن الوفاء أصبح مرادفًا للطاعة العمياء.
لكن الحقيقة أن الوفاء لا يعني أن تُغلق عينيك عن الخطأ، ولا أن تتخلى عن ضميرك إرضاءً لأحد. بل إن أصدق الوفاء أن يكون الإنسان صادقًا مع من يحب، فينصحه إذا أخطأ، ويقوم اعوجاجه إذا انحرف، ويقف معه في الحق، لا أن يدفعه إلى الباطل بالمجاملة والنفاق.
وليس من الوفاء أن توهم الناس بالأحلام والأساطير، وأنت تعلم أنك لا تملك تحقيقها. فالكلمة التي تُقال بلا صدق خيانة، والوعد الذي لا يُراد الوفاء به خداع، ومن يبيع الوهم للناس لا يستحق أن يتحدث عن الإخلاص.
الوفاء أيضًا ليس طريقًا باتجاه واحد، ولا امتيازًا يحتكره طرف ويُلزم به الآخرين. فالوفاء علاقة متبادلة، تقوم على الاحترام والثقة والصدق. أما أن يطالب أحدهم الناس بالولاء المطلق، بينما يمنحهم الجحود والتجاهل ونكران الجميل، فذلك ليس وفاءً، بل استعلاءً مقنعًا بثوب الأخلاق.
من أراد الوفاء، فليكن أول الأوفياء. ومن طلب الإخلاص، فليبدأ بنفسه. ومن انتظر الصدق، فليكن صادقًا مع الناس قبل أن يطالبهم بالصدق معه. فالقيم لا تُفرض على الآخرين، بل تبدأ من صاحبها.
لقد قيل في الإيمان: “ما وقر في القلب وصدقه العمل.” وكذلك الوفاء؛ ليس كلماتٍ تُقال، بل أفعالٌ تُثبتها المواقف. فمن كان وفيًا بقلبه، ظهر وفاؤه في عدله، وفي احترامه، وفي صدقه، وفي اعترافه بخطئه، وفي حفظه للعهود، لا في كثرة حديثه عن نفسه.
إن الإنسان لا يُقاس بما يكتبه عن الأخلاق، بل بما يفعله عندما تتعارض الأخلاق مع مصلحته. فهناك من يخسر منفعةً ليحفظ عهدًا، وهناك من يبيع العهد كله من أجل منفعة عابرة، ثم يحدث الناس عن الوفاء!
سيبقى الناس ينسون الخطب، وينسون المنشورات، لكنهم لن ينسوا المواقف. فالمواقف وحدها هي التي تصنع التاريخ، وهي التي تكشف معدن الرجال.
فالوفاء ليس أقوالًا تُتلى، ولا شعاراتٍ تُرفع، ولا طاعةً تُفرض، بل صدقٌ وإخلاصٌ واحترامٌ متبادل بين طرفين. فمن أراد أن يُعرف بالوفاء، فليدع أفعاله تتحدث عنه؛ لأن الأفعال لا تكذب، أما الكلمات فقد يقولها الجميع
