أ.د أحمد منصور الخصاونة

تقوم الدولة، عند إعداد التشريعات الناظمة لقطاع التعليم العالي، بالاستعانة بخبراء وأكاديميين ومختصين أمضوا سنوات طويلة في الإدارة الجامعية والعمل التشريعي، ليخرج مشروع القانون متوازناً قدر الإمكان، مستنداً إلى الخبرة والدراسات واحتياجات القطاع. وبعد ذلك، ووفقاً للدستور، يُحال المشروع إلى مجلس الأمة لاستكمال مراحله التشريعية وإقراره.

ولا خلاف على أن مجلس النواب، بوصفه ممثلاً للشعب، يمارس حقه الدستوري في مناقشة مشاريع القوانين وإدخال التعديلات التي يراها مناسبة. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل ينبغي أن تمتد هذه التعديلات إلى كل التفاصيل الفنية المتخصصة، أم أن بعض المسائل ينبغي أن تُترك لأهل الخبرة الذين أعدوا المشروع؟

ففي التشريعات ذات الطبيعة الفنية البحتة، كالتعليم العالي والصحة والهندسة والطيران والطاقة، قد يؤدي التدخل في بعض النصوص إلى إضعاف الفلسفة التي بُني عليها القانون، وربما إلى نتائج معاكسة لما كان يستهدفه المشرّع. فليست كل زيادة أو تعديل تمثل بالضرورة تطويراً، بل قد تتحول أحياناً إلى عبء إداري أو مالي أو تنظيمي.

ولعل ما جرى مؤخراً في مشروع تعديل قانون التعليم العالي مثال على ذلك؛ إذ اقترحت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تخفيض عدد أعضاء مجالس أمناء الجامعات من (13) عضواً إلى (9) أعضاء، في إطار توجه يهدف إلى ترشيق الحوكمة، وتسريع اتخاذ القرار، ورفع كفاءة عمل المجالس. إلا أن مجلس النواب أصر على رفع العدد إلى (11) عضواً.

ومن وجهة نظر إدارية، فإن الاتجاه العالمي في الحوكمة لا يقوم على توسيع المجالس، وإنما على تعزيز كفاءتها. فالمجلس الأصغر عدداً غالباً ما يكون أكثر فاعلية، وأكثر قدرة على اتخاذ القرار، وأسهل في تحقيق الانسجام بين أعضائه. بل إن من الممكن إعادة النظر مستقبلاً في العدد ليكون أقل من تسعة أعضاء إذا أثبتت التجارب أن ذلك يحقق مزيداً من الكفاءة، شريطة المحافظة على تنوع الخبرات والتخصصات.

والأهم من عدد أعضاء مجلس الأمناء هو آلية اختيارهم، فالمشكلة في كثير من الأحيان ليست في كون المجلس يضم تسعة أعضاء أو أحد عشر أو ثلاثة عشر، وإنما في نوعية الأشخاص الذين يشغلون هذه المقاعد، ومدى استقلالهم وقدرتهم على ممارسة دورهم الحقيقي. فمجالس الأمناء لم تُنشأ لتكون مجالس تمثيل اجتماعي، أو محاصصة، أو مكافآت وظيفية، أو امتدادًا لنفوذ أصحاب الجامعات أو أصحاب المصالح، وإنما أُنشئت لتكون هيئات رقابية واستراتيجية مستقلة، تضطلع بمسؤولية رسم السياسات العامة للجامعة، ومتابعة تنفيذ رسالتها، والإشراف على سلامة أدائها الإداري والأكاديمي والمالي، وتقديم النصح والمشورة للإدارة التنفيذية، مع المحافظة على استقلالية القرار الجامعي. 

ومن هنا، فإن اختيار أعضاء هذه المجالس ينبغي أن يخضع لمعايير دقيقة وشفافة ومعلنة، تقوم على الكفاءة العلمية والخبرة الإدارية والسمعة المهنية والنزاهة والاستقلالية، وأن يكون العضو قادراً على إضافة قيمة حقيقية للمؤسسة، لا مجرد شغل مقعد في المجلس. فالجامعة تحتاج إلى خبرات في التعليم العالي، والحوكمة، والإدارة، في التشبيك مع المشاريع الدولية، في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، وفي الاقتصاد، والقانون، والبحث العلمي، والابتكار، وسوق العمل، بحيث يشكل المجلس فريقًا متكاملاً من الخبرات القادرة على استشراف المستقبل واتخاذ القرارات الاستراتيجية الرشيدة.

كما ينبغي أن تكون هناك ضوابط صارمة تمنع أي تعارض في المصالح، وأن يُحصَّن مجلس الأمناء من أي تأثير مباشر أو غير مباشر من أصحاب الجامعات الخاصة، أو المستثمرين فيها، أو المنتفعين من قراراتها، أو أي جهة قد تسعى إلى توجيه قرارات المجلس بما يخدم مصالحها الخاصة على حساب المصلحة الأكاديمية والوطنية. فاستقلال مجلس الأمناء ليس ترفًا تشريعيًا، بل هو أحد أهم ركائز الحوكمة الرشيدة، وبدونه يفقد المجلس دوره الرقابي ويتحول إلى جهة تصادق على القرارات بدلاً من مراجعتها وتقييمها.

إن جودة مجلس الأمناء لا تُقاس بعدد أعضائه، بل بنوعية من يشغلون مقاعده. فالمعيار الحقيقي لفاعلية المجلس يتمثل في استقلالية أعضائه، وكفاءتهم العلمية والإدارية، وجرأتهم في إبداء الرأي، وقدرتهم على ممارسة دورهم الرقابي بمهنية وموضوعية، ومساءلة الإدارة التنفيذية عند التقصير، ودعمها عندما تحقق الإنجاز وتلتزم برسالة الجامعة وأهدافها.

فعضو يمتلك رؤية استراتيجية، وخبرة متراكمة، واستقلالية في القرار، وشجاعة أدبية في الدفاع عن المصلحة العامة، قد يكون أكثر تأثيرًا وإضافة للجامعة من عدة أعضاء يقتصر دورهم على الحضور الشكلي، أو تحكمهم العلاقات الشخصية، أو تتداخل في مواقفهم المصالح الخاصة. لذلك، فإن قوة مجلس الأمناء لا تنبع من كثرة المقاعد، وإنما من جودة أعضائه، وتنوع خبراتهم، واستقلالهم، وقدرتهم على اتخاذ قرارات رشيدة تسهم في تعزيز الحوكمة، وصون استقلال الجامعة، والارتقاء بأدائها الأكاديمي والإداري.

 

إن الجامعات الناجحة في العالم لم تصل إلى مكانتها بكثرة أعضاء مجالس أمنائها، وإنما بوجود مجالس قوية ومستقلة، تضم شخصيات مؤهلة تؤمن بأن مسؤوليتها الأولى هي حماية المؤسسة ورسالتها الأكاديمية، والمحافظة على المال العام أو أموال المساهمين، وتعزيز جودة التعليم والبحث العلمي، بعيدًا عن أي اعتبارات شخصية أو ضغوط أو مصالح ضيقة.

 

ولا يعني هذا الرأي الانتقاص من الدور الدستوري لمجلس النواب، فهو شريك أساسي في العملية التشريعية، لكن من المفيد التمييز بين ما هو سياسي أو تشريعي عام، وما هو فني تخصصي. فالتشريعات التي تمس قطاعات متخصصة تحتاج إلى مساحة أكبر من الثقة بالخبراء والمؤسسات الفنية التي أعدتها، حتى لا تتحول التعديلات، مهما حسنت النوايا، إلى سبب في إضعاف جودة القانون أو تعطيل أهدافه.

إن الإصلاح الحقيقي في التعليم العالي لا يتحقق بكثرة النصوص أو زيادة عدد أعضاء المجالس، وإنما ببناء منظومة حوكمة رشيدة، تعتمد الكفاءة، والاستقلالية، والمساءلة، وتمنح الجامعات القدرة على اتخاذ القرار بكفاءة ومرونة، بما يخدم جودة التعليم والبحث العلمي، ويحافظ على استقلال الجامعات ومكانتها.