شهدت الساحة السياسية في تركيا تحولا جذريا مع اعلان اوزغور اوزيل عن تأسيس كيان سياسي جديد يهدف الى قيادة المعارضة في البرلمان، حيث تقدم اوزيل رفقة 90 نائبا باستقالاتهم من حزب الشعب الجمهوري العريق لتدشين ما بات يعرف بـ الحزب الجديد، في خطوة من شأنها تغيير خارطة التحالفات البرلمانية ورفع عدد الاحزاب الممثلة تحت قبة البرلمان الى 16 حزبا، مما يعكس حالة من التمرد الداخلي على الهياكل التقليدية للمعارضة.
واختار اوزيل توقيتا يحمل دلالات رمزية عميقة لتقديم اوراق التأسيس، حيث تزامن ذلك مع ذكرى اتفاقية لوزان التاريخية، واكد في تصريحاته ان هذا التحرك جاء نتيجة لضغوط قانونية وقضائية واجهت قيادته السابقة، مبينا ان الحزب الجديد يسعى لتمثيل القاعدة الشعبية العريضة التي تبحث عن بديل سياسي قوي قادر على منافسة الحزب الحاكم في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وشدد على ان الحزب سيكون الصوت المعارض الاول في البلاد.
واوضح اوزيل امام حشود جماهيرية غفيرة عقب صلاة الجمعة في مسجد حجي بيرام باشا التاريخي في انقرة، ان حزبه ليس مجرد امتداد لاي كيان سابق بل هو مشروع وطني يضم نقابات ومنظمات مجتمع مدني، واضاف ان الاستعدادات الفنية واللوجستية قد اكتملت لضمان انطلاق الحزب بقوة في اكثر من 41 ولاية خلال فترة وجيزة، مؤكدا ان الهدف الاساسي هو الوصول الى سدة الحكم عبر صناديق الاقتراع.
توازنات القوى الجديدة في البرلمان التركي
وبمجرد الاعلان الرسمي عن الكيان الجديد، اصبح الحزب يحتل المرتبة الثانية من حيث عدد المقاعد البرلمانية بـ 91 مقعدا، مما يجعله القوة المعارضة الرئيسية، واشار مراقبون الى ان هذا التغيير قد دفع بحزب الشعب الجمهوري الى المرتبة الخامسة، وهو ما يفرض واقعا برلمانيا جديدا يتطلب من الرئيس رجب طيب اردوغان وحزب العدالة والتنمية التعامل مع متغيرات غير مسبوقة، واكد المحللون ان هذه الخطوة تعيد صياغة المشهد الحزبي بالكامل.
وذكرت المصادر المتابعة للملف ان اوزيل وضع خططا بديلة في حال واجهت وزارة الداخلية اي عوائق قانونية امام اسم الحزب، حيث تم اختيار اسماء احتياطية لضمان عدم تعطل المسار السياسي، وبين ان جميع النواب المؤسسين تم ادراجهم ضمن قائمة التأسيس لقطع الطريق على اي محاولات لعرقلة الاجراءات الادارية، واضاف ان الحزب يعمل بوتيرة متسارعة لعقد مؤتمره العام الاول خلال الاسابيع المقبلة.
وكشفت استطلاعات الرأي الاولية ان الحزب الجديد قد يحظى بنسبة تأييد واسعة تتجاوز 35 في المائة، مما يجعله في صدارة التوقعات الانتخابية، واضافت النتائج ان هذا الصعود يأتي على حساب الاحزاب التقليدية التي شهدت تراجعا ملحوظا في شعبيتها، واكدت ان الناخب التركي بات يتطلع الى وجوه جديدة وبرامج سياسية اكثر حداثة وقدرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
دروس من التاريخ السياسي التركي
ويستحضر المشهد الحالي تجارب تاريخية مشابهة لانشقاقات سياسية كبرى، حيث شهدت تركيا في السابق خروج قيادات بارزة من عباءة احزابها لتأسيس كيانات استطاعت لاحقا الوصول الى السلطة، واشار خبراء السياسة الى ان نموذج اوزيل يشبه الى حد كبير التحركات التي قادها سياسيون سابقون، مبينا ان نجاح هذه التجربة يعتمد بشكل اساسي على قدرة الحزب على الاستمرار في جذب القواعد الشعبية وتجنب الانقسامات الداخلية.
وتابع المراقبون ان اردوغان قد يجد في هذا الانقسام فرصة لتمديد حكمه من خلال التحالف مع ما تبقى من قوى سياسية داخل البرلمان، واضافوا ان المشهد السياسي يتجه نحو استقطاب حاد قبيل الانتخابات المقبلة، واكدوا ان الاشهر القادمة ستكون حاسمة في تحديد مدى قدرة الحزب الجديد على الصمود كقوة معارضة فاعلة ومؤثرة في القرار السياسي التركي.
واختتم اوزيل حديثه بالاشارة الى ان المسيرة نحو السلطة تتطلب عملا مؤسسيا دقيقا، مبينا ان البرنامج السياسي للحزب سيتم الكشف عن تفاصيله الكاملة خلال المؤتمر العام، واضاف ان الحزب سيظل منفتحا على كافة اطياف المجتمع التركي لضمان تحقيق اوسع قاعدة دعم ممكنة، وشدد على ان الحزب الجديد هو الرهان الاخير للمعارضة لاستعادة ثقة الناخبين في العملية الديمقراطية.
