تشهد الساحة السياسية في ليبيا حالة من الارتباك غير المسبوق في ظل تزايد وتيرة الإعلان عن تشكيل حكومات افتراضية من قبل شخصيات مستقلة ونشطاء عبر منصات التواصل الاجتماعي. وتأتي هذه الخطوات الأحادية في وقت تعاني فيه البلاد من انقسام تنفيذي طويل الأمد بين حكومتين تسيطران على المشهد في طرابلس وبنغازي، مما دفع مراقبين إلى وصف هذا التحرك بأنه انعكاس لحالة الفوضى السياسية التي تضرب مفاصل الدولة منذ سنوات طويلة.
واعتبر محللون سياسيون أن هذه الإعلانات التي تفتقر إلى أي شرعية قانونية أو اعتراف دولي تمثل نوعا من المسرحيات السياسية التي تعمق الأزمة بدلا من حلها. وأوضح خبراء أن تكرار هذه المبادرات الفردية يعكس رغبة أصحابها في لفت الأنظار أو محاولة فرض واقع جديد في ظل غياب أفق واضح للانتخابات الوطنية، بينما قوبلت تلك الخطوات بموجة واسعة من السخرية والانتقادات اللاذعة من قبل الشارع الليبي الذي يواجه تحديات معيشية وخدمية متفاقمة.
وبينت ردود الفعل الشعبية والرسمية أن إعلان الناشط سعيد قدارة عن تشكيل ما سماه حكومة الطوارئ الوطنية، وقبله إعلان مصطفى المجدوب عن حكومة من جنيف، قد فتح الباب أمام سيل من المحاكاة الساخرة من قبل نشطاء وحقوقيين. وأكد متابعون للشأن العام أن تحول التكليف الحكومي إلى مجرد منشورات رقمية يبرهن على غياب المؤسسات الحقيقية القادرة على استيعاب تطلعات المواطنين، وسط مطالبات بضرورة العودة إلى المسارات القانونية المعتمدة لإنهاء حالة التخبط.
ابعاد سياسية وراء سيناريوهات الحكومات الموازية
وكشفت تحليلات سياسية أن توقيت ظهور هذه المبادرات قد لا يكون مجرد صدفة عابرة أو بحثا عن شهرة شخصية. وأضاف مراقبون أن هناك احتمالات قوية بوجود أهداف سياسية مدفوعة من أطراف نافذة تحاول التشويش على مبادرات دولية مطروحة حاليا لإعادة هيكلة السلطة في ليبيا، لا سيما تلك المرتبطة بمقترحات تقاسم المناصب بين قوى فاعلة على الأرض.
وأشار المحلل السياسي عبد الحكيم فنوش إلى أن الضغوط التي تتعرض لها السلطة في غرب ليبيا قد تكون وراء تحريك هذه الشخصيات لإظهار رفض شعبي لمبادرات دولية معينة. وشدد على أن المشهد الليبي بات قابلا لاستنساخ السلطات الموازية التي تظهر وتختفي دون أن يكون لها أي أثر حقيقي على الأرض، وهو ما يعيد للأذهان تجارب سابقة مثل حكومات أعلنت من شرق البلاد قبل سنوات ولم تجد لها مكانا في الواقع السياسي المعقد.
وأكدت المعطيات الحالية أن هذه الظاهرة مرشحة للتوسع في الأيام المقبلة مع تداول أنباء عن تحركات لشخصيات أخرى تسعى لعقد اجتماعات خارجية لإعلان حكومات جديدة. واختتم خبراء المشهد بالقول إن انشغال الليبيين بهذه الأنباء يعكس حالة من الإحباط الجماعي، بينما تظل الحلول الحقيقية للأزمة رهينة بتوافقات وطنية شاملة بعيدا عن صخب العالم الافتراضي الذي لا يغني ولا يسمن من جوع.
