شهدت الساحة السياسية في تركيا حالة من الجدل الواسع عقب الكشف عن تفاصيل مثيرة تتعلق بحفل أقامه حزب الشعب الجمهوري المعارض في مدينة اسطنبول لدعم رئيسه كمال كليتشدار اوغلو. واظهرت تقارير صحفية موثقة قيام الحزب بالاستعانة بممثلين كومبارس من وكالات انتاج فني لملء القاعة واظهار وجود تأييد شعبي وجماهيري للقيادة الحالية، وهو ما اعتبره مراقبون محاولة لتزييف الواقع السياسي في ظل الانقسامات التي يعيشها الحزب.

وكشفت الصحفية ابراهيم تشيليك التي اخترقت الحفل تفاصيل صادمة حول الواقعة، موضحة ان مئات الاشخاص تم استئجارهم مقابل مبلغ مالي قدره 950 ليرة تركية للفرد الواحد مقابل الحضور لمدة ثلاث ساعات فقط. واضافت ان هؤلاء الاشخاص لا ينتمون للحزب ولا يحملون اي توجهات سياسية داعمة لكليتشدار اوغلو، بل كان بينهم لاجئون من جنسيات مختلفة وعاطلون عن العمل ومتقاعدون تم نقلهم عبر حافلات خاصة من مراكز تجارية الى قاعة الاحتفال.

وبينت التحقيقات الميدانية ان المشاركين تلقوا تعليمات صارمة بترديد شعارات محددة والتصفيق والهتاف خلال الكلمات التي القاها كليتشدار اوغلو وغورسال تكين، مع تزويد عدد منهم بستر تابعة لفرع الشباب بالحزب لتمويه الحضور. واكدت تشيليك ان هؤلاء الممثلين كانوا يتحدثون فيما بينهم عن خداع الحزب لهم وللجمهور، مشيرة الى انها وثقت مشاركتها بالصور والادلة التي لا تقبل الشك.

تحركات قضائية وملاحقة للصحافة

واكد غورسال تكين رئيس فرع الحزب في اسطنبول موقفه عبر تقديم شكوى جنائية ضد الصحفية تشيليك ومراسلين اخرين نقلوا تفاصيل الحادثة، مستندا الى قوانين مكافحة التضليل الاعلامي في محاولة لترهيب الاصوات التي كشفت الفضيحة. واضاف ان الحزب سيتخذ اجراءات قانونية ضد كل من حاول تشويه صورة الاحتفال، في حين اعتبرت رابطة الصحافيين الاتراك المعاصرين هذه الخطوة اعتداء مباشرا على حرية الصحافة ومحاولة لتكميم الافواه بدلا من مواجهة الحقائق بالوثائق.

وذكرت الرابطة في بيان لها ان استهداف الصحفيين ووصفهم بالمتآمرين لن يغير من حقيقة ما حدث، مشددة على ان الرد على الاخبار يجب ان يكون بالحجة والبرهان وليس بالتهديد والوعيد. واوضحت ان هذا السلوك يعكس حالة من التوتر داخل اروقة حزب الشعب الجمهوري الذي يواجه ضغوطا متزايدة بعد انشقاق قيادات بارزة وتأسيس حزب جديد استقطب عددا كبيرا من النواب.

وكشفت التقارير ان المتحدث باسم الحزب مسلم صاري لم ينفِ الواقعة بشكل قاطع، بل اكتفى بالقول ان الحزب سيجري تقييما للوضع اذا ثبتت صحة هذه الادعاءات. واضاف ان هذه الازمة تأتي في توقيت حساس للغاية حيث يسعى كليتشدار اوغلو للحفاظ على تماسك حزبه بعد ان تراجع ترتيبه الى المرتبة الخامسة في البرلمان التركي عقب الاستقالات الجماعية الاخيرة.

الرئاسة التركية تعلق على انقسام المعارضة

واوضح محمد اوتشوم كبير مستشاري الرئاسة التركية ان الانقسام الحاصل داخل صفوف المعارضة لا يشكل اي اهمية تذكر في مسار الحياة السياسية العامة بالبلاد، معتبرا ان الخلافات الحالية لا تستند الى رؤى فكرية بقدر ما هي صراعات على اجندات شخصية. واضاف ان المشهد السياسي التركي اعتاد على مثل هذه الانشقاقات التي لم تثمر في الماضي عن تغييرات جوهرية الا في حالات نادرة جدا.

وتابع اوتشوم مشيرا الى ان ما يحدث داخل حزب الشعب الجمهوري يوصف في الاوساط السياسية بانه مجرد ثرثرة لا تخدم احتياجات المواطنين او تطلعاتهم. وبين ان الحزب شهد تاريخيا انشقاقات عديدة لم تؤثر على الثوابت العامة للدولة، مؤكدا ان الحزب الجديد الذي اسسه اوزغور اوزيل لن يغير من موازين القوى كثيرا نظرا لغياب التباين الجوهري في السياسات العامة.

واكدت التطورات الاخيرة ان حزب الشعب الجمهوري يمر بمرحلة صعبة من التخبط الداخلي، حيث اضطر للاستعانة بأساليب غير تقليدية لمحاولة اثبات وجوده في الشارع. واختتمت التقارير بان الرأي العام التركي ينتظر ما ستؤول اليه التحقيقات في هذه القضية التي هزت مصداقية الحزب امام قاعدته الجماهيرية.