كشفت دراسة علمية حديثة عن وجود علاقة مقلقة بين العيش في بيئات صاخبة والتعرض المستمر لضوضاء حركة المرور وبين ارتفاع احتمالات الاصابة بمرض باركنسون. واظهرت النتائج التي شملت قاعدة بيانات ضخمة تضم اكثر من ثلاثة ملايين شخص ان التلوث الضوضائي لم يعد مجرد ازعاج يومي بل اصبح عاملا بيئيا مؤثرا بشكل مباشر على صحة الدماغ البشري على المدى الطويل.
وبين الباحثون ان المتابعة الدقيقة للحالات الصحية للمشاركين على مدار ثمانية عشر عاما كشفت ان كل زيادة في مستويات الضوضاء بمقدار احد عشر ديسيبلا تؤدي الى ارتفاع خطر الاصابة بالمرض بنسبة تصل الى ثلاثة بالمائة. واوضح الخبراء ان واجهة المنزل الهادئة تلعب دورا حيويا في حماية الافراد من هذه التبعات الصحية الخطيرة.
واكدت الدراسة ان توفر جانب هادئ في المسكن يسهم بشكل كبير في تحسين جودة النوم وتقليل حدة التوتر العصبي الذي يرافق السكن في المناطق المزدحمة. وشدد الفريق البحثي على ان هذه النتائج تضع الضوضاء في مصاف العوامل البيئية الخطيرة التي تتطلب اهتماما طبيا وبيئيا اكبر مما هو عليه الان.
مسارات تاثير الضوضاء على الدماغ
واوضح المختصون ان الضوضاء المزمنة تفتح الباب امام سلسلة من الاضطرابات البيولوجية داخل الجسم مثل ارتفاع هرمون الكورتيزول المسؤول عن التوتر. واضافوا ان هذه الحالة تؤدي بدورها الى زيادة الالتهابات العصبية والاجهاد التأكسدي الذي يضر بخلايا الدماغ مع مرور الوقت.
وبينت الدراسة ان التلوث الضوضائي لا يزال مهملًا في الابحاث الصحية مقارنة بمخاطر تلوث الهواء او المبيدات الحشرية رغم ان نسبة كبيرة من سكان المدن يتعرضون لمستويات ضجيج تتجاوز المعايير الصحية العالمية. واشار الباحثون الى ان غياب الهدوء في البيئة المحيطة يقلل من قدرة الدماغ على التعافي والقيام بوظائفه الحيوية بشكل طبيعي.
واضاف القائمون على البحث ان اضطرابات النوم الناتجة عن ضجيج السيارات تعد من ابرز الاسباب التي تسرع من تدهور الصحة العصبية. واكدوا ان حماية البيئة السكنية من الضوضاء اصبحت ضرورة ملحة للوقاية من الامراض التنكسية التي تهدد الملايين حول العالم.
طبيعة الارتباط بين الضجيج ومرض باركنسون
وكشف الباحثون ان الدراسة الحالية ترصد وجود ارتباط احصائي قوي بين الضوضاء ومرض باركنسون دون الجزم بوجود علاقة سبب ونتيجة مباشرة ومطلقة. واضافوا ان العوامل الاخرى مثل النظام الغذائي ومستوى النشاط البدني لا تزال تلعب دورا محوريا في تحديد فرص الاصابة بالمرض.
واشار توماس مونزل احد المشاركين في الدراسة الى ان الضوضاء بدات تتحول من مجرد عامل خطر محتمل الى عامل خطر مثبت علميا يستوجب المزيد من الدراسات المعمقة. واكد ان هذه النتائج تمثل تحولا نوعيا في فهمنا للمسببات البيئية لمرض باركنسون الذي يعاني منه ملايين البشر حاليا.
وبين التقرير ان مرض باركنسون يؤثر بشكل رئيسي على الحركة والتوازن نتيجة تضرر الخلايا المنتجة للدوبامين في الدماغ. واختتم الباحثون بالتأكيد على ان التوسع العمراني وزيادة الكثافة السكانية يتطلبان تخطيطا حضريا يراعي الصحة العامة لتقليل التعرض لهذه المخاطر الخفية.
