يواجه سكان قرى جنوب لبنان مرحلة من الترقب القلق الذي بات يسيطر على تفاصيل حياتهم اليومية، حيث لم يعد الهم الوحيد هو ترميم المنازل التي طالتها نيران الحرب، بل تحول القلق ليشمل المستقبل الغامض لهم ولأبنائهم. وتعيش العائلات الجنوبية حالة من التشتت والضياع بين واقع النزوح القسري، وبين العودة إلى منازل محطمة تفتقر لأدنى مقومات الحياة، مما جعل الكثيرين يشعرون بأن سنوات الغربة والكدح قد تبخرت في لحظات.

واكد العديد من الاهالي ان العجز عن اتخاذ قرارات مصيرية هو القاسم المشترك الذي يجمعهم حاليا، سواء تعلق الامر باستئجار مسكن جديد أو التخطيط للعمل أو حتى تأمين المسار التعليمي للاطفال. وشدد المواطنون على ان شبح الحرب الذي لا يزال يخيم فوق رؤوسهم يمنعهم من الاستقرار، خوفا من اضطرارهم للعودة مرة اخرى الى نقطة الصفر بعد كل محاولة للبدء من جديد.

وبينت شهادات ميدانية ان حالة من فقدان الثقة اصبحت تسود بين المغتربين والنازحين، حيث كشفت السيدة فاطمة من بنت جبيل ان حلم العودة وبناء منزل في قريتها قد تلاشى تماما، مؤكدة ان التفكير في إعادة الاعمار بات ضربا من المستحيل في ظل الظروف الراهنة. واضافت مريم، وهي احدى المتضررات، انها قررت التوقف عن استثمار مدخراتها داخل لبنان، مفضلة ادخار ما تبقى لمستقبل اولادها بعيدا عن مخاطر ضياع تعب العمر في نزاعات متكررة.

واقع النزوح والبحث عن استقرار مفقود

واوضحت ام حسن، التي لا تزال تعيش حياة النزوح، ان حجم الضياع يتفاقم مع اقتراب العام الدراسي، مشيرة الى انها عاجزة عن رسم اي خطة لمستقبل ابنائها التعليمي وسط ارتفاع اسعار الايجارات في المدن. واكدت ان طموحها الوحيد حاليا هو اتضاح الرؤية مع حلول الشهر المقبل لتقرر ما اذا كانت ستستقر في قرية جنوبية توفر تكاليف معيشية اقل، رغم المخاطر الامنية المحيطة.

واضافت مروى، التي فقدت منزلها في كفرتبنيت، ان صرخة الاهالي لم تجد صدى لدى الجهات المعنية، مشيرة الى ان الناس تركوا لمواجهة مصيرهم بمفردهم بعد ان استنزفت مدخراتهم في محاولات البقاء. وتابعت مبينة ان القلق من تجدد المواجهات يجعل من فكرة الاستقرار في اي منطقة محيطة بالنبطية مغامرة غير محسوبة قد تنتهي بنزوح جديد في اي لحظة.

وتساءلت مروى بحسرة عن جدوى التضحيات التي قدمها الجنوبيون، مشيرة الى ان الخسائر البشرية والمادية قد اعادت المنطقة سنوات طويلة الى الوراء، مما يضع الاهالي في حالة من الاحباط العام تجاه الغد.

مأساة العائدين وحلم الفرج القريب

وبينت سناء، التي عادت الى منزلها في النبطية، ان الحياة هناك تحولت الى صراع يومي للبقاء، حيث يعيش العائدون في غرف ضيقة تفتقر للنوافذ بعد ان استبدلوها بأغطية بلاستيكية مؤقتة. واضافت ان الخوف من اندلاع حرب جديدة يمنع الاهالي من انفاق ما تبقى لديهم من مال على الترميم، مفضلين الانتظار وسط ظروف معيشية قاسية.

واكدت زينب من النبطية الفوقا ان الغموض هو سيد الموقف، مطالبة القوى السياسية والجهات المعنية بمصارحة الناس بحقيقة الاوضاع وما ينتظرهم في المرحلة المقبلة. واوضحت ان الاهالي يستحقون معرفة الحقيقة ليتسنى لهم تحديد مسارات حياتهم، مشددة على ان حالة الضياع التي يعيشونها تتطلب شفافية تخرجهم من دائرة الانتظار المؤلمة.