تتجه الانظار في الصومال نحو ولايتي غلمدغ وهيرشبيلي اللتين تستعدان لاستقبال صناديق الاقتراع المباشر في خطوة تعد الاكثر طموحا للحكومة الفيدرالية في مسار التحول الديمقراطي. وتاتي هذه الاستعدادات في ظل مشهد سياسي معقد وانقسامات حادة بين السلطة المركزية وقوى المعارضة التي لا تزال تتمسك بنظام التمثيل القبلي التقليدي وتشكك في جدوى الاليات الانتخابية الجديدة. واكدت اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات جاهزيتها اللوجستية لنقل المواد الانتخابية الى مدينة دوسمريب لضمان سير العملية في موعدها المحدد نهاية الشهر الحالي.
واوضحت اللجنة ان الانتخابات في غلمدغ ستشمل مئات المراكز الانتخابية بمشاركة عشرات التنظيمات السياسية مما يعكس رغبة في توسيع دائرة المشاركة الشعبية التي غابت لعقود طويلة عن البلاد. وبين رئيس اللجنة عبد الكريم احمد حسن ان اكثر من مئتي الف ناخب مسجل سيكون لهم الكلمة الفصل في اختيار ممثليهم في المجالس المحلية والبرلمان الاقليمي. واضاف ان هذه الخطوة تاتي تتويجا لجهود بدات في اقليم بنادر وتوسعت لتشمل ولاية الجنوب الغربي في محاولة لترسيخ نظام صوت واحد لكل مواطن.
تحديات المسار الديمقراطي في مواجهة الانقسام السياسي
وشدد خبراء في شؤون القرن الافريقي على ان هذه الانتخابات تمثل اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة على تجاوز الارث القبلي الذي هيمن على المشهد السياسي منذ عقود. واكدوا ان الانتقال من نظام المحاصصة العشائرية الى الاقتراع المباشر يتطلب ارضية توافقية لا تزال مفقودة في ظل اتهامات المعارضة للحكومة بتفصيل القوانين الانتخابية على مقاس توجهاتها السياسية. وبينت المعطيات الميدانية ان الخلافات لا تقتصر على الية التصويت بل تمتد لتشمل الدستور المؤقت وصلاحيات الاقاليم.
وكشفت التطورات الاخيرة عن عمق الفجوة بين الحكومة والمعارضة لا سيما بعد تاسيس حزب العدالة والتضامن وتمديد الفترة الرئاسية مما دفع ائتلاف مجلس المستقبل الى اعلان عدم الاعتراف بشرعية القرارات الحكومية. واضافت التقارير ان جولات الحوار التي شهدتها البلاد في الاشهر الاخيرة لم تنجح في تقريب وجهات النظر وظلت تراوح مكانها دون التوصل الى ميثاق شرف يضمن نزاهة الانتخابات وقبول نتائجها. وشدد مراقبون على ان نجاح التجربة يعتمد بشكل اساسي على الحياد المؤسسي وقدرة الاطراف على الاحتكام لصناديق الاقتراع بدلا من الصراعات المسلحة.
مستقبل النظام السياسي بين التغيير والتمسك بالارث
واكدت الحكومة الفيدرالية ان المضي قدما في هذه الانتخابات هو الخيار الوحيد لتعزيز شرعية المؤسسات واعادة بناء الدولة على اسس حديثة تتجاوز الانقسامات العشائرية. واضافت ان توسيع المشاركة الشعبية سيحول الانتخابات من مجرد استحقاق اجرائي الى اداة فعالة لتداول السلطة سلميا وتقليل حدة التوترات السياسية في الاقاليم. وبينت ان التحدي الاكبر يظل في قدرة السلطات على اقناع القوى المعارضة بان صناديق الاقتراع هي الملاذ الامن لحل الخلافات.
وخلص الخبراء الى ان نجاح المسار الانتخابي في غلمدغ وهيرشبيلي سيشكل نقطة تحول مفصلية في تاريخ الصومال الحديث او قد يفتح الباب لمزيد من الازمات اذا لم يتم تدارك المخاوف المتعلقة بنزاهة العملية. واوضحوا ان القبول الشعبي والسياسي للنتائج سيكون المقياس الحقيقي لنجاح هذه التجربة الديمقراطية. واكدوا ان المرحلة المقبلة تتطلب حكمة سياسية لتجنيب البلاد الانزلاق نحو مزيد من العنف وضمان انتقال سلس للسلطة عبر صناديق الاقتراع.
