تعيش ليبيا حالة من التناقض الصارخ حيث تمتلك أكبر احتياطيات نفطية في القارة الافريقية بينما يرزح مواطنوها تحت وطأة انقطاع التيار الكهربائي وتردي الخدمات العامة بشكل يومي. وتتحول هذه الثروة الهائلة التي كان يفترض بها ان تكون رافعة للبناء والتنمية الى عنصر تأجيج للصراعات السياسية وتعميق للهوة بين مختلف الاطراف المتنازعة. واظهرت التقارير الاخيرة ان البلاد تعاني من انقسام سياسي حاد وفساد مستشر يدير موارد الدولة بعقلية تقاسم النفوذ بدلا من ادارة الدولة بمؤسسات موحدة وفاعلة.

واكد مراقبون ان المشكلة الجوهرية في ليبيا ليست في نقص الموارد المالية بل في غياب الارادة السياسية الحقيقية لتوحيد المؤسسات وتفعيل سلطة القانون. واشار محللون الى ان ليبيا انفقت مئات المليارات خلال السنوات الماضية دون ان يلمس المواطن اي تحسن ملموس في مستوى المعيشة او جودة التعليم والصحة. وبينت المعطيات ان العائدات النفطية التي تشكل الجزء الاكبر من الدخل القومي اصبحت اداة في يد اطراف الصراع لتعزيز مصالحها الشخصية والجهوية على حساب المصلحة الوطنية العليا.

واضاف مهتمون بالشأن الليبي ان استمرار المراحل الانتقالية دون الوصول الى انتخابات وطنية شاملة يساهم في تكريس حالة الجمود السياسي والاقتصادي. واوضحوا ان التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تحويل هذه الثروة الى استثمارات حقيقية في البنية التحتية بدلا من ضياعها في دهاليز الفساد والمحسوبية. وشدد الخبراء على ان الاصلاح يبدأ بمحاسبة حقيقية للفاسدين واحتكام الجميع لصناديق الاقتراع لانهاء حالة التشرذم التي تنهش جسد الدولة.

ازمة الكهرباء وتآكل الثروة الوطنية

وتواجه الشبكة الكهربائية في ليبيا تحديات جسيمة حيث فقدت قدرات توليدية كبيرة بسبب نقص امدادات الغاز والوقود والاعطال الفنية المتكررة. واوضحت الشركة العامة للكهرباء ان الاشتباكات الامنية والاضطرابات في بعض المناطق تسببت في تضرر المحطات الحيوية مما انعكس سلبا على حياة المواطنين اليومية. وكشفت التقارير ان الحكومة المؤقتة تواجه انتقادات واسعة من الشارع الليبي الذي يحملها مسؤولية الفشل في ادارة قطاع الطاقة رغم سيطرتها على ايرادات النفط.

وبينت الارقام ان نصيب الفرد من الناتج المحلي لا يزال دون الطموحات مقارنة بحجم الثروة التي تمتلكها البلاد. واشار مصدر مطلع الى ان مناطق في غرب ليبيا تشهد نشاطا ملحوظا في مشاريع الاعمار لكن هذه الجهود تظل مجزأة ولا ترقى لتكون استراتيجية تنموية شاملة تغطي كافة انحاء البلاد. واكد ان العوائق التي تواجه شركات النفط العالمية منذ سنوات ساهمت في تجميد الاستثمارات اللازمة لتطوير القطاع ورفع معدلات الانتاج الى المستويات المستهدفة.

واوضحت التحليلات السياسية ان الصراع في ليبيا تجاوز كونه خلافات ايديولوجية ليتحول الى معركة حول السيطرة على العائدات المالية. واضافت ان الاتفاقات السابقة حول آلية توزيع عوائد النفط لم تنجح في انهاء حالة الشد والجذب بين الاطراف المتنافسة. وخلص المتابعون الى ان خروج ليبيا من كبوتها مرهون بتحويل النفط من مصدر للنزاع الى محرك اساسي للاستقرار والنهضة الاقتصادية التي ينتظرها الشعب.