تصاعدت حالة من الغضب الشعبي في العاصمة الليبية طرابلس على خلفية قرارات حكومية بزيادة رواتب منتسبي المؤسسات العسكرية والامنية، حيث يرى مراقبون ان هذه الخطوة جاءت في توقيت حرج وسط ازمة اقتصادية خانقة تعاني منها البلاد. وتأتي هذه الزيادات كجزء من تنافس محموم بين السلطات في شرق وغرب ليبيا لاستقطاب الولاءات، مما دفع المواطنين للاحتجاج على غياب الاولويات وتردي الخدمات الاساسية مثل الكهرباء.

واعتمدت وزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية مؤخرا زيادات مالية كبيرة لمنتسبيها، لتلحق بذلك بقرارات مماثلة اتخذها البرلمان الليبي لصالح منتسبي القيادة العامة في الشرق. واكد خبراء اقتصاديون ان هذه القرارات تضع ضغوطا هائلة على الخزانة العامة التي تعاني اصلا من تأخر صرف المرتبات، مشيرين الى ان الانفاق العسكري بات يلتهم جزءا كبيرا من ميزانية الدولة دون وجود رقابة فعلية على اعداد المنتسبين الحقيقية.

وبين رئيس المركز الليبي للدراسات الامنية والعسكرية اشرف عبد الله ان هذه الزيادات تعكس رغبة كل طرف في حماية صفه الداخلي وضمان ولاء العناصر العسكرية. واوضح ان التقارير الرقابية تظهر ان الباب الاول المخصص للرواتب يستنزف نحو 73 بالمئة من الميزانية، محذرا من تداعيات كارثية قد تؤدي الى افلاس الخزينة في حال استمر هذا السباق التنافسي في الانفاق.

مخاطر التضخم الوظيفي وتداعياته الاجتماعية

واضاف عبد الله ان الانقسام السياسي تسبب في غياب احصاءات دقيقة، مما دفع المؤسسات الامنية والعسكرية لتضخيم اعداد منتسبيها كنوع من استعراض القوة. واشار الى ان الارقام المعلنة من قبل المسؤولين تظهر فجوة كبيرة مقارنة بالواقع، حيث تشير التقديرات الى وجود اعداد كبيرة من الاسماء الوهمية التي تثقل كاهل الدولة دون تقديم اي دور فعلي، مما يفاقم من ازمة التضخم الوظيفي في القطاع العام.

وشدد الخبير الامني على ان الاغراءات المالية التي تقدمها المؤسسات العسكرية للطلاب والمستجدين قد تؤدي الى هجر الشباب للتعليم المدني والقطاعات الحيوية مثل الطب والهندسة. واكد ان هذا التوجه يخلق خللا في التوازن الاجتماعي والمهني، خاصة مع الفوارق الكبيرة في الرواتب بين القطاع العسكري والقطاعات المدنية الاخرى التي تعاني من تدني الاجور رغم اهميتها لاستقرار الدولة.

وتابع مدير مركز صادق للدراسات انس القماطي ان هذه السياسات تحول العمل العسكري الى وظيفة مضمونة براتب مغرٍ، بدلا من بناء مؤسسة عسكرية وطنية مهنية. واوضح ان هذا التناقض يظهر بوضوح في محاولات الاطراف الليبية اقناع المجتمع الدولي بجاهزيتها للسلام، بينما ترفع في الداخل وتيرة الانفاق العسكري الذي قد يغذي الصراعات المستقبلية في حال فشل المبادرات السياسية.

تأثير عوائد النفط على الانفاق الحكومي

وكشفت التحليلات الاقتصادية ان ارتفاع انتاج النفط وقفزة الايرادات الشهرية ربما شجعت القيادات على المضي قدما في هذه الزيادات بدلا من توجيه الاموال نحو معالجة الازمات المزمنة. واكد القماطي ان الهدف الحقيقي من هذه الاموال هو شراء الولاءات في ظل غضب شعبي عارم بسبب الغلاء المعيشي وغياب اي مؤشرات حقيقية حول اجراء الانتخابات التي ينتظرها الليبيون.

واشار مراقبون الى ان المصرف المركزي كان قد حذر في وقت سابق من مخاطر تجاوز الانفاق على المرتبات والمخصصات المعتمدة. واكدوا ان استمرار هذا النهج في ادارة المال العام سيؤدي حتما الى تفاقم الفجوة بين السلطة والمواطن، خاصة مع غياب العدالة في توزيع الموارد بين القطاعات المدنية والسيادية.

واوضح المحللون ان قضية المرتبات باتت تمثل جوهر الازمة السياسية في ليبيا، حيث اصبحت الادارة المالية اداة لتعزيز النفوذ بدلا من ان تكون وسيلة لخدمة المواطن. وخلصوا الى ان استمرار هذا الوضع دون توحيد المؤسسات السياسية والعسكرية سيجعل من ميزانية الدولة رهينة للصراعات الداخلية، مما يبعد البلاد عن طريق الاستقرار والتنمية المستدامة.