تشهد الضفة الغربية تحولات دراماتيكية في اليات المواجهة الميدانية حيث لم يعد التصعيد مجرد وصف عابر بل اصبح واقعا يعيد تشكيل قواعد الاشتباك بشكل يومي في ظل ضغوط عسكرية واستيطانية غير مسبوقة. وتكشف المعطيات الميدانية ان الفلسطينيين في الضفة انتقلوا من اساليب المقاومة التقليدية الى ابتكار وسائل دفاعية مرنة تتناسب مع حجم التحديات الوجودية التي تفرضها الهجمات المتكررة.
واظهرت التطورات الاخيرة ان المقاومة توزعت بين خلايا سرية صغيرة وتشكيلات شبه علنية تستخدم ادوات بسيطة كالعبوات الناسفة محلية الصنع والمواجهات الشعبية العفوية. واوضحت ان هذه التحولات تاتي كرد فعل مباشر على محاولات التهجير القسري وتوسيع البؤر الاستيطانية التي تستهدف الاراضي الفلسطينية بشكل ممنهج.
وبينت التحليلات ان الاعتماد على التوثيق الرقمي وتحويل الهاتف الى سلاح في معركة الرواية اصبح جزءا اصيلا من ادوات المواجهة الحالية. وشدد مراقبون على ان البلدات الفلسطينية التي كانت تراقب الاعتداءات بصمت تحولت الى ساحات فعل ميداني تدافع عن الارض والاشجار امام تغول المستوطنين.
تصعيد يعيد تشكيل ادوات المقاومة
واضاف باحثون ان ما يحدث في الضفة ليس عشوائيا بل هو تنفيذ لتصور استراتيجي يهدف الى افراغ الارض من سكانها عبر تسليح المستوطنين ومنحهم غطاء عسكريا كاملا. وكشفت التقارير ان الاستهداف لم يعد يقتصر على الافراد بل امتد الى تدمير البنية التحتية في المخيمات باستخدام جرافات ثقيلة ومسيرات متطورة في محاولة لكسر ارادة الصمود.
واكد الباحث محمد غازي الجمل ان الوجود الفلسطيني بات ينظر اليه كتهديد وجودي يستوجب الدفاع عنه بكل الوسائل المتاحة. واوضح ان توسع الخيام الرعوية للمستوطنين يمثل وجها اخر للاحتلال الصامت الذي يلتهم مساحات واسعة من اراضي الضفة الغربية بشكل يومي.
وبينت الاحصاءات ان اعتداءات المستوطنين تجاوزت ارقاما قياسية خلال الاشهر الماضية مما دفع المقاومة الشعبية في الارياف لابتكار تكتيكات دفاعية خاصة تختلف عن تلك المتبعة في المراكز الحضرية المكتظة.
المقاومة من خلايا سرية لفعل شعبي
واشار خبراء الى ان معادلة المواجهة تعطلت بعد ان اصبح الفرد الفلسطيني يبادر بنفسه لحماية محيطه من الاعتداءات المسلحة. واكد القيادي هيثم ابو الغزلان ان العمليات الميدانية اصبحت تتم بلامركزية عالية للحد من قدرة الاحتلال على استهداف البنية التنظيمية للمقاومة.
واوضحت البيانات ان عدد العمليات المقاومة شهد قفزة نوعية في الاسابيع الاخيرة مما يعكس حالة من الغضب الشعبي تجاه الانتهاكات المستمرة بحق المقدسات والاسرى. واضاف ان المقاومة طورت ايضا عبوات ناسفة محلية تمكنت من اعطاب مدرعات عسكرية متطورة في عدة محاور بالضفة.
وبينت الدراسات ان القيود الاسرائيلية التي عزلت المدن الفلسطينية عن بعضها لم تفلح في اخماد الرغبة في التحرر. واكدت ان هذه السياسات انتجت نماذج مقاومة محلية جديدة تتجدد باستمرار رغم نجاح الجيش في تفكيك بعضها مؤقتا.
مقاومة بلا غطاء سياسي
وكشفت التقديرات ان المقاومة تعمل حاليا في ظل غياب مظلة سياسية موحدة نتيجة التباينات الداخلية وضعف الموقف الرسمي للسلطة الفلسطينية. واضاف المدهون ان السلطة تعيش واقعا متناقضا بين التنسيق الامني وبين محاولات الاحتلال المستمرة لتجفيف مواردها المالية.
وذكرت المصادر ان غياب الغطاء السياسي دفع الشارع الفلسطيني للاعتماد على قرارات ميدانية فردية تمليها ظروف المواجهة المباشرة. واكد ان تاثير الحرب في غزة كان حاضرا في الضفة حيث زاد من دوافع التمسك بالمقاومة رغم التكلفة الباهظة والظروف الاعتقالية القاسية.
وبينت التحليلات ان حسابات المواجهة الواسعة اصبحت اكثر تعقيدا خشية من جر الضفة الى مستوى الدمار الذي شهدته غزة. واشار الى ان استمرار الضغط الميداني يضع الجميع امام خيارات صعبة في ظل تآكل الحلول السياسية.
سيناريوهات المقاومة المقبلة
واكد الخبراء ان المسار الارجح في المدى القريب هو استمرار نمط استنزاف منخفض الشدة يعتمد على العمليات الفردية والكمائن المحلية. واضافوا ان هذا النمط يفرض على الجيش الاسرائيلي استنزافا مستمرا ومكلفا دون القدرة على حسم المعركة امنيا.
واوضحت القراءات ان تركيبة الحكومة الاسرائيلية اليمينية تجعل احتمال الانفجار الشامل في الضفة اقرب من اي وقت مضى. وشدد الباحثون على ان سياسة قص العشب الاسرائيلية عاجزة بنيويا عن تحقيق الاستقرار لانها تنتج حوافز جديدة للمقاومة في كل مرة.
وختم المحللون بان الضفة الغربية ستبقى في قلب معادلة استنزاف مفتوحة تعيد فيها المقاومة اختراع ادواتها من الحجر الى العبوة والتوثيق الرقمي في انتظار شرارة قد تغير المشهد كليا.
