تتلاشى تفاصيل الحياة في قطاع غزة مع كل غارة جوية جديدة تضرب الاحياء السكنية ومراكز الايواء، حيث يجد الاف النازحين انفسهم في مواجهة مباشرة مع الموت وفقدان ما تبقى من ممتلكاتهم البسيطة تحت اكوام الركام. وبينما يحاول هؤلاء النجاة بارواحهم من جحيم القصف، يضطرون للعودة الى مواقع الاستهداف بحثا عن بقايا ذكرياتهم ومستلزماتهم التي دفنتها الحرب، لتبدأ معها رحلة نزوح جديدة نحو المجهول في مشهد متكرر يعكس حجم المعاناة الانسانية المستمرة.
وكشفت جولات ميدانية في مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة عن حجم الدمار الهائل الذي طال مربعات سكنية كاملة، حيث عاد الاهالي الى منازلهم المدمرة بعد ساعات من القصف لجمع الملابس الممزقة والاغراض الناجية من تحت الانقاض. واوضحت المعاينات الميدانية ان اثار الاستهداف لم تتوقف عند هدم البيوت، بل امتدت لتطال الخيام المحيطة بها، مما ضاعف من مأساة العائلات التي كانت تبحث عن الامان في تلك المناطق قبل ان تتحول الى ساحات للدمار.
واكدت احدى النازحات ان العائلات تلقت تحذيرات بالاخلاء قبيل القصف بوقت قصير، ظنا منها ان المخيم بعيد عن مسرح العمليات العسكرية، لتصدم عند عودتها باختفاء الخيام وكل محتوياتها تحت الركام. واظهر مقطع رصدته فرق الاغاثة رجلا يحاول جاهدا ازالة الحجارة بادوات بدائية لاستعادة مقتنيات منزله الذي كان يؤوي عشرات النازحين، بعد ان اضطر الجميع للفرار في دقائق معدودة تاركين خلفهم كل ما يملكون.
نزوح متكرر ومعاناة لا تنتهي
وبين احد السكان ان نحو ستين شخصا كانوا يقيمون في المنزل ذاته قبل ان ينهار فوق رؤوسهم، موجها نداء استغاثة عاجل للعالم لوقف الحرب التي سلبتهم الامان ودفعتهم للنزوح مرات متعددة. واضاف ان واقع القطاع بات يشهد استهدافا متواصلا لمناطق الجنوب والوسط والشمال، حيث لم تعد هناك بقعة جغرافية يمكن وصفها بالامنة في ظل الغارات التي تطال الخيام والمراكز التي تؤوي الالاف من الفارين من جحيم المواجهات.
واوضحت سيدة فقدت افرادا من عائلتها في منطقة المواصي ان مصطلح المناطق الامنة اصبح وهما لا يعكس الحقيقة المرة على الارض، حيث تلاحق الغارات النازحين اينما حلوا. واكدت ان هذه المشاهد القاسية تتكرر مع كل موجة تصعيد، مما يفرض على العائلات رحلات نزوح قسرية متلاحقة، ترافقها حالة من القلق الدائم من تحول اي مكان جديد يلجؤون اليه الى هدف عسكري محتمل.
واشار تقرير ميداني الى ان النازحين لم يعودوا يبحثون عن مقتنياتهم فحسب، بل يحاولون التشبث بما تبقى من حياتهم وجمع ما يمكن انقاذه لتهيئة انفسهم لبدء حياة جديدة من الصفر، في ظل ظروف معيشية بالغة القسوة تفتقر الى ادنى مقومات البقاء.
واقع الدفاع المدني وتحديات الانقاذ
وقال المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة محمود بصل ان الغارات خلفت اضرارا جسيمة في اكثر من مئة وخمسين مبنى وثلاثمئة خيمة خلال شهر واحد، مما يرفع وتيرة التحديات امام فرق الانقاذ. واضاف ان الاستهدافات اليومية طالت المدنيين داخل مراكز الايواء ومحيطها بالتزامن مع قصف مدفعي كثيف، مما يعيق حركة الطواقم ويزيد من اعداد الضحايا بشكل يومي.
واكد بصل ان كوادر الدفاع المدني تواصل عملها في انتشال الشهداء وانقاذ المصابين رغم ضعف الامكانيات وشح المعدات، موضحا ان الكثير من عمليات التدخل تنتهي بانتشال جثامين متفحمة بسبب الحرائق الناتجة عن القصف وتأخر الوصول للمواقع. واشار الى ان نقص صهاريج المياه والاليات الثقيلة يحد من قدرة الفرق على السيطرة على الحرائق الكبرى، مما يؤدي الى تعطل الاستجابة وزيادة الخسائر البشرية في صفوف المدنيين.
وبين ان فرق الانقاذ استخرجت عشرات الرفات من تحت الانقاض في عدة مواقع خلال الايام الماضية، وسط صعوبات بالغة في التعرف على هويات الضحايا التي تمثل تحديا نفسيا واجتماعيا كبيرا للاسر. وختم بصل حديثه بدعوة المنظمات الدولية للتدخل العاجل وتوفير المعدات واللوجستيات اللازمة، محذرا من ان تراجع القدرات التشغيلية يهدد بتوقف الاستجابة الانسانية ويعرض حياة مزيد من المدنيين للخطر المحدق.
