روان صفيرة :  

في كل مرة تقع فيها جريمة قتل بحق فتاة، نتسابق إلى الحزن والغضب والاستنكار، ثم تمضي الأيام وكأن شيئاً لم يكن، إلى أن نستيقظ على ضحية جديدة وقصة جديدة ودمعة جديدة. لكن الحقيقة المؤلمة أن الضحايا يتغيرن، بينما يبقى السبب واحداً: عقول لم تتعلم احترام الإنسان، ولم تتعلم أن الرفض حق، وأن المرأة ليست ملكاً لأحد.

 

جريمة ضاحية الأمير حسن ليست مجرد خبر عابر في صفحات الحوادث، بل جرس إنذار يدق بقوة في وجه المجتمع كله. فتاة في عمر الزهور، أمضت سنوات حياتها بين مقاعد الدراسة وأحلام المستقبل، أحاطتها أسرتها بالرعاية والحب والتعب والسهر، لتجد نفسها ضحية لشخص قرر أن ينصب نفسه قاضياً وجلاداً في آن واحد، فقط لأنه لم يتقبل أن تكون لها إرادة ورأي واختيار.

 

أي منطق هذا الذي يجعل بعض الأشخاص يعتقدون أن رفض طلب زواج أو إنهاء علاقة أو اتخاذ قرار شخصي يمنحهم حق الانتقام؟ وأي تربية تلك التي تزرع في نفوس أبنائنا أن الكرامة تُستعاد بالعنف، وأن الرجولة تُثبت بالبطش، وأن المرأة إذا قالت "لا" تصبح هدفاً للتهديد أو الأذى؟

 

إن الأسرة والمدرسة والمؤسسات التربوية والإعلامية مطالبة اليوم بدور أكبر في مواجهة هذه الثقافة الخطيرة. فكل أب وأم مطالبان بأن يجلسا مع أبنائهما ويشرحا لهم أن بنات الناس لسن ممتلكات، وأن رفض فتاة للارتباط أو استمرار العلاقة لا يبرر الغضب ولا الانتقام، وأن الكرامة الحقيقية تكمن في تقبل القرار والمضي بالحياة، لا في تدمير حياة الآخرين.

 

المشكلة الحقيقية لا تبدأ عند وقوع الجريمة، بل تبدأ منذ الطفولة، عندما لا نعلّم أبناءنا احترام حدود الآخرين، وعندما لا نزرع فيهم أن الرفض جزء طبيعي من الحياة، وأن الإنسان لا يمتلك أحداً، وأن الحب لا يكون بالإكراه، وأن الرجولة لا تُقاس بالسيطرة والانتقام بل بالاحترام وضبط النفس وتحمل المسؤولية.

 

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في الجريمة وحدها، بل في البيئة التي تسمح بتكرارها. فحين لا نعلّم أبناءنا منذ الصغر احترام حدود الآخرين، وحين نغرس في عقولهم مفاهيم التملك والسيطرة، فإننا نساهم بصمت في صناعة مآسٍ جديدة. التربية ليست توفير الطعام والملبس فقط، بل بناء إنسان يعرف أن الآخرين ليسوا امتداداً لرغباته، وأن من حقهم الاختيار والرفض والابتعاد دون خوف.

 

لقد آن الأوان لأن نعترف بأن هذه الجرائم لم تعد حوادث فردية معزولة، بل ظاهرة مقلقة تستوجب مواجهة حقيقية تبدأ من البيت والمدرسة والجامعة والإعلام، ولا تنتهي عند أبواب المحاكم. نحتاج إلى ثقافة جديدة تُربي أبناءنا على احترام المرأة كإنسان كامل الحقوق، لا كغنيمة أو ملكية أو مشروع انتقام عند الاختلاف.

 

رحم الله ضحية جريمة ضاحية الأمير حسن، وجبر قلوب أهلها الذين فقدوا ابنة انتظروا سنوات طويلة ليروا نجاحها وفرحها ومستقبلها. ونسأل الله أن ينال الجاني جزاءه العادل وفق القانون، وأن تكون هذه الجريمة صرخة توقظ الضمائر قبل أن تُزهق أرواح أخرى بريئة.

 

فالسؤال الذي لم يعد يحتمل التأجيل هو: إلى متى ستبقى بعض الفتيات يدفعن حياتهن ثمناً لثقافة ترفض الاعتراف بأن كلمة "لا" حق إنساني لا يجوز أن يكون عقابه الموت؟