تظل قضية السيادة على مدينتي سبتة ومليلية بؤرة توتر تاريخي وجيوسياسي يلقي بظلاله على العلاقات بين المغرب واسبانيا، حيث تتصادم الرؤى حول تبعية هذه الاراضي التي تعتبرها الرباط جزءا لا يتجزأ من ترابها الوطني، بينما تتمسك مدريد بسيادتها عليها منذ قرون. وتعود جذور هذه الازمة الى تداخل التاريخ والجغرافيا، اذ تتجدد المطالبات بإنهاء الاستعمار في هذه المناطق كلما برزت ازمة هجرة غير نظامية على الحدود، مما يحول ملف الهجرة الى ورقة ضغط سياسي تتقاذفها الاطراف وفقا لمصالحها الاستراتيجية.

واظهرت الاحداث الاخيرة ان العلاقة بين البلدين تتأثر بشكل مباشر بمواقف مدريد من قضية الصحراء المغربية، فعندما تتقارب الرؤى تتقلص حدة التوترات، بينما تعود الازمات للظهور بمجرد تبني اسبانيا مواقف تبتعد عن الرؤية المغربية. واكد مراقبون ان ما يحدث اليوم يتجاوز مجرد تدفق للمهاجرين، ليلامس جوهر التحديات الامنية والسياسية التي تواجهها القارة الاوروبية في التعامل مع حدودها الجنوبية.

وبينت التحليلات ان اسبانيا وجدت نفسها في مواجهة ضغوط اوروبية متزايدة، حيث طالبت دول في الاتحاد الاوروبي بضرورة التنسيق المشترك ووضع خارطة طريق موحدة لمواجهة اي موجات هجرة جديدة. وكشفت الرسائل الدبلوماسية ان مدريد تسعى جاهدة لطمأنة شركائها الاوروبيين بقدرتها على السيطرة على الوضع الميداني، معتبرة ان التعاون الامني مع المغرب يظل الركيزة الاساسية لمنع تفاقم الازمات الحدودية.

تداعيات سياسية واوروبية

واشار رئيس الحكومة الاسبانية بيدرو سانشيز الى ان محاولات بعض الاطراف الاوروبية تصوير اسبانيا كحلقة ضعيفة لا تخدم المصالح الجماعية للاتحاد، مفندا بالارقام حجم تدفقات الهجرة مقارنة بدول اخرى في القارة. واوضح ان التحدي الذي تفرضه الهجرة يتطلب تضامنا اوروبيا بدلا من التلويح باجراءات تقييدية مثل الخروج من اتفاقية شنغن التي تضمن حرية التنقل.

واضافت الاحداث ان القلق الاوروبي تزايد مع صعود التيارات اليمينية المتطرفة في دول مثل فرنسا وايطاليا، حيث تستغل هذه الاحزاب صور المهاجرين على سياج سبتة لتعزيز خطابها المعادي للهجرة. وشدد الخبراء على ان هذه الاحزاب تحاول استغلال الازمة لفرض اجندات سياسية داخلية تهدف الى تقويض سياسات الهجرة التقليدية في الاتحاد الاوروبي.

وكشف وزير الداخلية الاسباني ان المغرب يظل شريكا موثوقا به، نافيا ان تكون الرباط وراء التهديدات التي تواجه الحدود، ومؤكدا ان التعاون الوثيق بين البلدين هو الذي مكن من احتواء الموقف في وقت قياسي. واضاف ان مدريد اتخذت خطوات احترازية اضافية، منها تركيب حواجز بحرية لمنع اي محاولات اختراق مستقبلية عبر كسر الامواج في سبتة.