تشهد المؤسسة العسكرية في اسرائيل حالة من القلق المتزايد عقب حادثة تمرد لافتة نفذها جنود من لواء غفعاتي، وهي الواقعة التي اعتبرها مراقبون وقادة عسكريون مؤشرا خطيرا على تآكل الانضباط داخل صفوف الجيش. وتأتي هذه التطورات في ظل ظروف ميدانية بالغة التعقيد، حيث يواجه الجيش انهاكا كبيرا ونقصا حادا في الموارد البشرية، الى جانب الضغوط المتراكمة على جبهات متعددة تضع المؤسسة الامنية امام تحديات وجودية لم تعهدها من قبل.

واكد العميد احتياط غاي حزوت، الباحث في معهد دراسات الامن القومي، ان واقعة التمرد الاخيرة ليست سوى رأس جبل الجليد لمشكلة اعمق تتعلق بانهيار في هيكل القيادة العسكرية. وبين حزوت ان طول امد الحرب وفقدان الدعم الجماهيري، اضافة الى تداعيات اخفاقات السابع من اكتوبر، قد افرغت سلك القيادة العليا من اهم مقوماتها وهي الشجاعة في اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية.

واوضح ان الجيش الاسرائيلي يعيش اليوم حالة استنزاف غير مسبوقة في تاريخه، مما جعل الحوادث الفردية والجماعية لرفض الاوامر او مغادرة القواعد العسكرية دون اذن، تعكس صورة قاتمة لواقع معقد. واشار الى ان السياسات التي تبنتها القيادة السياسية منذ بداية الحرب ساهمت في تجاهل القواعد الامنية التقليدية، مما ادى الى تآكل القوى البشرية واحتراق الوحدات المقاتلة في معارك طويلة دون استراتيجية خروج واضحة.

تآكل الانضباط وازمة القيادة الميدانية

واضاف حزوت ان المشكلة الحقيقية تكمن في شلل القيادة العليا التي اصبحت عاجزة عن وضع خطوط حمراء واضحة، نتيجة شعور القادة بتأنيب الضمير والضغوط السياسية المتبادلة. واشار الى ان ميزان الخبرة قد انقلب، حيث اصبح الجنود والضباط الصغار يمتلكون خبرة قتالية ميدانية تفوق ما لدى قيادات هيئة الاركان، وهو ما خلق فجوة ثقة كبيرة ساهمت في تدني المعايير الاخلاقية والمهنية.

وتابع ان محاولات رئيس الاركان ايال زامير لمعالجة هذه الازمات عبر اصدار وثائق مبادئ وقيم لن تكون كافية لاحتواء الانهيار القادم. واكد ان الجيش يحتاج الى ثورة حقيقية في ثقافته التنظيمية تبدأ بتحقيق شفاف ومعمق لا يكتفي بالجانب التكتيكي، بل يغوص في جوهر الانضباط العسكري الذي بات مهددا بفعل العوامل النفسية والاجتماعية التي تلاحق الجنود.

وذكرت تقارير ان حادثة مغادرة عشرات الجنود من كتيبة تسافار لقاعدة سديه تيمان دون اذن، وترك معداتهم، كانت احتجاجا مباشرا على قرارات قائد الوحدة. وبينت المصادر ان هذا التمرد جاء في وقت حرج يعاني فيه الجيش من عجز واضح في اعداد المجندين، حيث تشير البيانات الى وجود نحو 38 الف متهرب من الخدمة، مع توقعات بارتفاع هذا العدد بشكل كبير في الفترة المقبلة.

مخاطر الانهيار الداخلي ونقص القوى البشرية

واوضح المسؤولون العسكريون ان ازمة التجنيد لا تقتصر على الاعداد فحسب، بل تمتد لتشمل تراجع القدرة القتالية للوحدات الميدانية التي باتت تعاني من نقص مستمر بسبب الاصابات والتسريح المستمر. واكد ان انخفاض اعداد المجندين من فئة الحريديم يفاقم من حدة الازمة، مما يضع عبئا اضافيا على كاهل الجنود الحاليين الذين يواجهون ضغوطا هائلة.

واضاف ان التحذيرات التي اطلقها زامير للمستوى السياسي حول توجه الجيش نحو الانهيار الداخلي لم تجد طريقها للتنفيذ، خاصة في ظل غياب التشريعات الحاسمة حول الخدمة العسكرية. وشدد على ان استمرار الوضع الراهن دون معالجة جذرية سيؤدي الى تدهور اضافي في كفاءة الجيش وقدرته على تنفيذ المهام العملياتية المطلوبة في ظل التهديدات المتزايدة.

واكدت المعطيات الميدانية ان التحديات التي يواجهها الجيش الاسرائيلي تتجاوز كونها مشاكل فنية، لتصبح ازمة بنيوية تهدد استقرار المنظومة العسكرية برمتها. وبينت ان الحاجة باتت ملحة لاعادة تقييم شاملة للثقافة العسكرية، بعيدا عن الاصلاحات التجميلية التي لا تعالج جذور التمرد وتراجع الانضباط في ظل ظروف الحرب المستمرة.