تجرعت ام فلسطينية في غزة مرارة الفقدان مرة اخرى بعد ان ودعت ابنها البكر الذي كان يمثل لها السند الوحيد المتبقي من عائلتها التي تلاشت تحت وطاة الغارات العنيفة. لم تكن هذه النظرة الاخيرة لمحمد مجرد وداع عابر بل كانت فصلا ختاميا في قصة اسرة كاملة ابيدت بفعل القصف الذي لم يترك للام سوى ذكريات مؤلمة وطفلتين يتيمتين وجنينا لم يمهله القدر ليرى والده.

واكدت الام في لحظات الوداع التي غلفتها الحسرة ان ابنها كان يحمل على عاتقه مسؤولية البيت منذ رحيل والده وكان يرفض فكرة تركها وحيدة في مواجهة قسوة الايام. واضافت ان وعود الابن بالبقاء الى جانبها تبخرت مع تصاعد وتيرة العمليات العسكرية التي لا تفرق بين احد لتضيف اسما جديدا الى سجل طويل من الضحايا الذين غيبهم الموت في القطاع.

وبينت التقارير الميدانية ان هذه الماسي باتت مشهدا يوميا يتكرر في مختلف ارجاء غزة حيث تلاحق الغارات العائلات في منازلها الامنة وتنهي حياة المدنيين بلمحة بصر. وشددت على ان القصف الاخير الذي استهدف شققا سكنية في مناطق متفرقة خلف اعدادا كبيرة من الشهداء بينهم اطفال ونساء مما يعكس حجم الكارثة الانسانية التي يعيشها سكان القطاع.

واقع غزة بين صدى المفاوضات وجحيم القصف

وكشفت المعطيات الميدانية ان استمرار الهجمات العسكرية ياتي في وقت تتصاعد فيه الاحاديث حول جولات تفاوض تهدف الى وقف اطلاق النار وهو ما يراه مراقبون تناقضا صارخا بين المسار السياسي والواقع الميداني. واوضح محللون ان العمليات المكثفة تهدف الى فرض واقع جديد على الارض قبل التوصل لاي اتفاق مرتقب مما يجعل المواطن البسيط هو من يدفع الفاتورة الاكبر من دمه واستقراره.

واشار سكان غزة الى انهم لم يعودوا يعلقون امالا كبيرة على اخبار المفاوضات بقدر ما يتمنون يوما يمر دون دوي انفجارات او سماع اصوات سيارات الاسعاف. واظهرت الاحداث الاخيرة ان الامنيات بالسلام تتبدد غالبا مع كل صباح جديد يحمل معه مواكب تشييع اخرى وامهات يودعن فلذات اكبادهن وسط دمار لا يتوقف.

انين الامهات ومستقبل مجهول تحت الانقاض

واكدت الشهادات الحية ان المدينة تعيش حالة من الانهاك الشديد حيث اصبحت الجنازات هي المشهد الاكثر حضورا في الشوارع التي خلت من الحياة. واضافت ان اطفال غزة يرحلون قبل ان يبدوا حياتهم الحقيقية في ظل غياب اي افق للتهدئة التي ينشدها الجميع لانهاء مسلسل الفقد المستمر الذي لا يرحم احدا.