تواجه العائلات الفلسطينية في مدينة القدس المحتلة ضغوطا غير مسبوقة تفرضها سلطات الاحتلال عبر سياسة الهدم الذاتي للمنازل، حيث أظهرت البيانات الاخيرة ارتفاعا في اعداد الفلسطينيين الذين اضطروا لهدم بيوتهم بايديهم تجنبا للغرامات الباهظة، وخلال الشهر المنصرم وحده اجبر الاحتلال 13 مقدسيا على تدمير منازلهم، بينما نفذت الياته 14 عملية هدم اخرى طالت منشات سكنية وتجارية متنوعة، فضلا عن اصدار عشرات الاخطارات التي تهدد المزيد من الاسر بالتشرد.
واكدت التقارير الميدانية ان هذه الاجراءات تاتي في سياق مخططات ممنهجة لتفريغ المدينة من سكانها الاصليين، حيث وثقت الحالات الاخيرة ومنها حالة المواطن محمد فايز دويات ووالده في بلدة صور باهر، اللذين وجدا نفسيهما امام خيارين احلاهما مر بعد عشر سنوات من البناء، مما اضطرهما لهدم منزلهما المكون من 130 مترا مربعا بعد تراكم مخالفات مالية ضخمة وصلت الى 30 الف دولار.
وبينت الوقائع ان العائلات المتضررة باتت تعيش حالة من التشتت القسري، حيث اضطر افراد الاسرة الواحدة للانفصال واللجوء الى منازل الاقارب، في ظل صعوبة بالغة في استئجار بدائل سكنية داخل المدينة، وذلك لتجنب فقدان الهوية المقدسية التي تمنحهم حق البقاء في مدينتهم المحتلة.
ضريبة الصمود في وجه التضييق
وكشفت الشهادات الحية ان سلطات الاحتلال تستخدم ذريعة البناء دون ترخيص كاداة قانونية لفرض واقع ديموغرافي جديد، موضحة ان الحصول على رخص بناء يعتبر امرا مستحيلا عمليا للفلسطينيين، واضاف المتضررون انهم خاضوا معارك قضائية استمرت سنوات طويلة قبل ان تصدر المحاكم الاسرائيلية قراراتها النهائية التي لا تترك امامهم سوى خيار الهدم الذاتي، والا فان اليات البلدية ستتولى المهمة مع تحميل الاهالي تكاليف باهظة توازي كلفة البناء نفسه.
واوضح محمد دويات ان الحياة في القدس اصبحت مأساوية في ظل القوانين الصارمة التي تلاحق ابسط حقوق الانسان في المسكن، مشيرا الى ان ما يمارسه الاحتلال هو محاولة لكسر ارادة الصمود لدى المقدسيين الذين يرفضون الرحيل رغم كل اشكال التضييق المالي والقانوني، وشدد على ان هذه المرحلة التاريخية المفصلية تتطلب ثباتا وعزيمة قوية في مواجهة محاولات التهجير.
واضاف ان العيش في القدس اصبح بمثابة ضريبة ثقيلة يدفعها الفلسطينيون يوميا، مؤكدا ان الحرية لها ثمن باهظ يدفعه المقدسيون من استقرارهم وذكرياتهم التي تهدم تحت انقاض البيوت، حيث يجسد هذا الواقع معاناة حي البستان وغيره من احياء القدس التي تواجه خطر التطهير العرقي الممنهج.
ملاحقات مستمرة وتهديد بالاخلاء
وظهر في تجارب اخرى مدى قسوة الاجراءات، حيث تعاني عائلة يعقوب الرشق في بلدة سلوان من تهديد وشيك بهدم منزلها، بعد ان امهلتهم المحكمة فترة وجيزة للاخلاء رغم دفعهم مبالغ طائلة كمخالفات مالية سابقة، وبين يوسف الرشق ان منزله الذي يقطنه عشرة افراد يواجه مصير الدمار منذ سنوات طويلة من الملاحقة التي طالت ايضا اعتقالات وابعادا عن المسجد الاقصى.
واكد المتضررون ان سياسة الهدم لا تتوقف عند حدود المسكن، بل تمتد لتشمل ملاحقة اصحاب البيوت حتى بعد الهدم بسبب وجود الركام، موضحين ان هذه السياسة تهدف الى خلق بيئة طاردة تجعل من البقاء في القدس مهمة مستحيلة، واضافوا انهم سيبقون متمسكين بارضهم رغم ان المحاكم الاسرائيلية تغلق كافة الابواب امام اي محاولة قانونية لحماية منازلهم من التدمير والتهجير.
واشار المراقبون الى ان هذه الممارسات تعكس استراتيجية احتلالية واضحة تهدف لتقليص الوجود الفلسطيني في القدس المحتلة، موضحين ان الاصرار على البقاء رغم التهديدات يمثل الوجه الحقيقي للصراع القائم، حيث يواصل المقدسيون دفع ضريبة الارض في معركة يومية للبقاء على تراب مدينتهم.
