خيم الحزن العميق على مدينة غزة خلال مراسم تشييع مهيبة لضحايا عائلتي ابو شريعة والحساينة، حيث ودع الاهالي 112 شهيدا انتشلت جثامينهم من تحت الانقاض بعد اشهر من استشهادهم اثر قصف مكثف استهدف منزلا كان يؤويهم في حي الصبرة. وظهر المشيعون وهم يحملون الاكفان التي غطت بالعلم الفلسطيني، في مشهد يجسد فصول المعاناة التي يعيشها القطاع منذ بدء الحرب، حيث تحولت لحظات الوداع الاخيرة الى مساحة لتوثيق المأساة التي طالت مئات الارواح.

واضاف الشهود ان المئات من افراد العائلتين كانوا قد نزحوا الى منزل الوزير السابق مفيد الحساينة بحثا عن ملاذ آمن، ظنا منهم ان القبو سيحميهم من بطش القصف، لكن الاحتلال استهدف المبنى بحزام ناري عنيف ادى الى انهياره بالكامل فوق رؤوس النازحين، مما حول المكان الى مقبرة جماعية ظلت مخفية تحت الركام لفترة طويلة قبل ان تتمكن طواقم الدفاع المدني من انتشال الجثامين.

وبين الناجون ان عملية البحث عن الضحايا كانت محفوفة بالمخاطر، حيث تعرضت طواقم الانقاذ والمدنيون لاستهداف مباشر اثناء محاولتهم الوصول الى العالقين، مؤكدين ان استمرار حصار غزة ومنع دخول المعدات اللازمة حال دون انتشال بقية الشهداء في وقت مبكر.

قصص من تحت الانقاض

واكد الفتى عبد الله ابو شريعة، احد الناجين من المجزرة، ان العائلة عاشت ساعات رعب حقيقية قبل ان ينهار المنزل فوقهم، مشيرا الى انهم فقدوا عشرات الاطفال والنساء والمسنين الذين لم يجدوا طريقا للنجاة في تلك الليلة الدامية، موضحا ان الجثامين التي تم انتشالها كانت قد تغيرت ملامحها بفعل الزمن والركام.

وكشفت طواقم الدفاع المدني عن صعوبة بالغة في التعرف على هويات الشهداء، حيث اضطر ذووهم للاستدلال عليهم من خلال متعلقات شخصية مثل المصاغ الذهبي او الهواتف المحمولة او علامات طبية في العظام، مبينا ان المهمة الانسانية تتجاوز مجرد الانتشال لتصل الى اعادة الحق في الوداع اللائق لهؤلاء الضحايا.

واشار المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل الى ان فرقه عملت لاكثر من 130 ساعة ميدانية لاستخراج جثامين الشهداء، مؤكدا ان العشرات من الضحايا لا يزالون مفقودين ولا يوجد اي اثر لهم تحت الانقاض حتى هذه اللحظة، مما يفاقم من معاناة العائلات التي تعيش على امل العثور على ذويهم.

صرخة لضمير العالم

وشدد مسؤول لجنة العشائر علاء العكلوك على ان هذه الجنازة تعد الاكبر في التاريخ الحديث لغزة، مطالبا المجتمع الدولي بضرورة التدخل العاجل لوقف الانتهاكات ورفع الحصار عن القطاع، موضحا ان استمرار العدوان يمنع طواقم الانقاذ من اداء واجبها في انتشال الاف المفقودين الذين لا يزالون تحت الانقاض.

واضاف ان الكرة الان في ملعب المجتمع الدولي ليتحمل مسؤولياته تجاه الجرائم التي يرتكبها جيش الاحتلال، مشددا على ان كل شهيد يتم انتشاله يحمل خلفه قصة انسانية سلبها القصف حقها في الحياة، ومؤكدا ان الالم لن يتوقف ما دامت سياسة التجويع والحصار مستمرة.

واكد الاهالي في ختام مراسم التشييع انهم سيظلون ينتظرون العثور على بقية المفقودين الذين يصل عددهم الى نحو 8 الاف شخص في عموم القطاع، معبرين عن تمسكهم بحقهم في وداع احبائهم بما يليق بكرامة الانسان، في وقت تواصل فيه غزة دفع ثمن باهظ من ارواح ابنائها.