شهدت العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر وفرنسا تحولا لافتا في مسار التعاون الامني والقضائي عقب نجاح السلطات الجزائرية في تنفيذ مذكرة توقيف دولية بحق مهدي لعريبي المعروف بكونه احد ابرز قيادات تنظيم مافيا دي زاد الاجرامي. وتأتي هذه الخطوة لتفتح الباب امام تكهنات واسعة حول طبيعة التفاهمات الجديدة التي قد تجمع البلدين في ظل ملفات عالقة تتطلب تنسيقا عالي المستوى بعيدا عن التوترات السابقة.

واضافت تقارير قضائية ان عملية التوقيف جرت في الجزائر نهاية شهر يوليو الماضي بعد رصد دقيق لتحركات لعريبي الذي يحمل الجنسيتين الجزائرية والفرنسية وينحدر من مدينة مارسيليا. واوضحت المصادر ان الموقوف وضع تحت الرقابة القضائية في انتظار ما ستؤول اليه الاجراءات القانونية المتبعة بين باريس والجزائر بخصوص تسليم المطلوبين في قضايا الجريمة المنظمة.

وبين وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان في تصريحاته ان هذا التطور يمثل نجاحا كبيرا في جهود مكافحة المخدرات والجريمة العابرة للحدود. واكد ان التعاون المنسق مع الجانب الجزائري يعكس رغبة مشتركة في تفكيك الشبكات التي تتخذ من جنوب فرنسا معقلا لنشاطاتها الاجرامية الخطيرة.

ابعاد التنسيق الامني ومستقبل المقايضة السياسية

وكشفت التحقيقات ان مهدي لعريبي كان ملاحقا دوليا ضمن عملية اوكتوبوس الموسعة التي تشرف عليها المحاكم الفرنسية المختصة. واظهرت المعطيات ان السلطات الجزائرية كانت تتابع تحركات المطلوب منذ فترة طويلة قبل ان تقرر الاستجابة لمذكرة التوقيف التي تسلمتها منذ عام كامل.

واشار مراقبون الى ان ملف مافيا دي زاد تحول الى ورقة تفاوضية في اطار العلاقات الثنائية المعقدة بين البلدين. واوضحت التحليلات ان الجزائر تسعى من خلال هذا التعاون الى الدفع بملفات اخرى عالقة لاسيما تلك المتعلقة باسترداد الاموال المنهوبة وتسليم شخصيات مطلوبة للقضاء الجزائري تتواجد حاليا على الاراضي الفرنسية.

واكدت مصادر مطلعة ان زيارة وزير العدل الفرنسي الاخيرة الى الجزائر وما تلاها من لقاءات امنية رفيعة المستوى قد ارست قواعد جديدة للحوار. واضافت ان الطرفين يعملان بذكاء سياسي على موازنة المصالح حيث لا يقدم اي طرف تنازلات مجانية في ظل وجود ملفات شائكة مثل قضية الدبلوماسي الجزائري الموقوف في باريس.

ملفات عالقة تفرض واقعا جديدا في الحوار الثنائي

واوضحت المعطيات الميدانية ان الجزائر تولي اهتماما خاصا بملف موظفها القنصلي المحتجز في فرنسا منذ اكثر من عام على خلفية اتهامات تتعلق بقضايا مثيرة للجدل. وبينت ان هذا الملف يمثل نقطة ضغط جوهرية في محادثات تبادل المطلوبين التي تجري خلف الابواب المغلقة.

وكشفت التطورات الاخيرة ان سياسة النفس الطويل التي تتبعها الدبلوماسية الجزائرية بدأت تعطي ثمارها في التعامل مع الجانب الفرنسي. واكدت ان التنسيق حول مافيا دي زاد ليس سوى جزء من استراتيجية اوسع تهدف الى تحقيق توازن في العلاقات الثنائية وحماية المصالح الوطنية العليا للجزائر.

وشدد خبراء في العلاقات الدولية على ان المرحلة المقبلة قد تشهد مزيدا من التفاهمات في حال استمرت باريس في ابداء المرونة تجاه المطالب الجزائرية. واضافت ان استقرار المنطقة يعتمد بشكل كبير على مدى قدرة البلدين على تحويل الملفات الامنية الى جسور للتعاون الاستراتيجي بدلا من نقاط تصادم دائمة.