لا يزال ملف القوانين الانتخابية يتصدر المشهد السياسي في ليبيا كونه يمثل العقبة الكبرى امام تحقيق الاستقرار المنشود. وبينما تتجدد المساعي للوصول الى توافق وطني ينهي حالة الانقسام التي تشهدها البلاد منذ تعثر انتخابات عام 2021، تتجه الانظار نحو اجتماعات لجنة 4+4 التي انعقدت مؤخرا في تونس. واظهرت هذه الجولة الجديدة محاولة جادة من الفرقاء الليبيين لتجاوز الخلافات العميقة التي تعيق المسار الانتخابي وتجعل من النصوص القانونية مجرد اداة للمراوغة السياسية.
واضاف مراقبون ان المناقشات التي جرت في تونس اتسمت بالسرية التامة وسط ترقب لنتائج ملموسة تخرج البلاد من نفق المراحل الانتقالية. واكدت المعطيات الحالية ان القوانين لم تعد مجرد نصوص تنظيمية، بل تحولت الى ساحة صراع على السلطة ومستقبل النفوذ السياسي، حيث يسعى كل طرف لضمان مكتسباته من خلال تفصيل قواعد اللعبة الانتخابية بما يخدم مصالحه الخاصة بدلا من مصلحة الوطن.
وبين المحلل السياسي خالد الشارف ان المشكلة الحقيقية تكمن في غياب الثقة بين الاطراف الفاعلة، مبينا ان القوانين اصبحت وسيلة لتعطيل الاستحقاق الانتخابي بدلا من ان تكون جسرا للعبور نحو صناديق الاقتراع. واوضح ان الخلافات الجوهرية حول شروط الترشح، خاصة فيما يتعلق بالعسكريين ومزدوجي الجنسية، هي التي افشلت المحاولات السابقة واوصلت البلاد الى حالة الانسداد السياسي الراهنة.
تحديات التوافق ومسارات لجنة 4+4
وتسعى لجنة 4+4، التي تضم ممثلين عن الجيش الوطني وحكومة الوحدة الوطنية ومجلسي النواب والدولة، الى تذليل العقبات التقنية والقانونية التي ظلت عالقة لفترات طويلة. واكدت مصادر مطلعة ان اللجنة ناقشت ملف اعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات كخطوة اولى نحو تهيئة المناخ للاقتراع، رغم التحديات التي تفرضها طبيعة الخلافات السياسية المتجذرة حول ترتيب الاستحقاقات الانتخابية.
واشار المتابعون الى ان التجارب السابقة مع لجنة 6+6 لم تكن كافية لإنهاء الجدل، حيث واجهت مخرجاتها تحفظات دولية ومحلية لكونها لم تعبر عن توافق وطني شامل. واضافت عضوة الحوار الهيكلي اماني العقوري ان غياب قاعدة دستورية متينة يظل هو الثغرة الكبرى، موضحة ان اي قوانين انتخابية دون مظلة دستورية متوافق عليها ستظل عرضة للطعن والرفض من قبل الاطراف المتنازعة.
وشددت العقوري على ان الحل لا يقتصر على صياغة نصوص قانونية جديدة، بل يتطلب ارادة سياسية حقيقية لضمان سلامة العملية الانتخابية ونتائجها. واوضحت ان البلاد بحاجة ماسة الى تجاوز الانقسامات الحالية والاتفاق على شكل السلطة التنفيذية القادمة، لضمان الا تؤدي الانتخابات الى تجدد الصراعات او تعميق الازمات التي عانى منها المواطن الليبي لسنوات طويلة.
مستقبل الاستقرار في ظل الانسداد السياسي
وتظل الانظار متجهة نحو مخرجات اجتماعات تونس، حيث يأمل الليبيون في تحقيق اختراق حقيقي ينهي الجدل حول القوانين الانتخابية. واكدت بعض الاطراف ان التوصل لاتفاق تقني ليس كافيا وحده، بل يجب ان يقترن بغطاء سياسي واسع يضمن التزام الجميع بنتائج الانتخابات القادمة وتجاوز مخاوف فقدان النفوذ التي تسيطر على المشهد.
وكشفت التطورات الاخيرة ان الملف الانتخابي سيبقى رهينة للتوافقات السياسية الكبرى حتى يتم حسم القضايا الخلافية العالقة. وبدت الرؤية ضبابية حول موعد نهائي للاقتراع في ظل استمرار تباين المواقف بين القوى الفاعلة، مما يجعل من مسألة الانتخابات معضلة مستمرة تتطلب تنازلات مؤلمة من كافة الاطراف من اجل مصلحة ليبيا العليا.
واختتم المحللون تحليلهم بالاشارة الى ان الاختبار الحقيقي لنجاح هذه الجولة يكمن في القدرة على تحويل مخرجاتها الى واقع ملموس على الارض. واوضحوا ان الشعب الليبي ينتظر بفارغ الصبر لحظة حسم هذا الجدل العقيم، ليتسنى له ممارسة حقه في اختيار ممثليه وبدء مرحلة جديدة من الاستقرار والبناء بعيدا عن دوامة الصراعات القانونية والسياسية.
