سجل مؤشر البطالة في مصر تراجعا ملحوظا ليصل الى 5.8 في المئة خلال الربع الثاني من العام الحالي، وذلك رغم التحديات الاقتصادية الكبيرة والضغوط التي فرضتها تداعيات الحرب الايرانية على الاسواق المحلية. واظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء هذا التحسن التدريجي في معدلات التوظيف، حيث انخفضت النسبة من 6.2 في المئة في نهاية العام الماضي لتصل الى 6 في المئة في الربع الاول، ثم واصلت مسارها الهبوطي لتستقر عند مستوياتها الحالية. وبينت الارقام الرسمية ان هذا المسار يعكس تحولا في هيكلية سوق العمل المصري الذي بدا اكثر استجابة للمتغيرات الراهنة.
واكد خبراء اقتصاديون ان التراجع في ارقام البطالة لا يعبر بالضرورة عن طفرة صناعية او توسع في الوظائف الحكومية، بل يرتكز في جوهره على نمو القطاع الخدمي. واضافوا ان الكثير من الاسر المصرية اصبحت تدفع بابنائها او ربات البيوت نحو سوق العمل لمواجهة غلاء المعيشة، مما زاد من معدلات المشاركة في قوة العمل. واشاروا الى ان الحاجة الملحة لتحسين دخول الاسر دفعت الافراد للبحث عن فرص عمل بديلة او الجمع بين اكثر من وظيفة لتغطية الاحتياجات الاساسية التي تصاعدت بفعل قرارات رفع اسعار المحروقات والكهرباء الاخيرة.
وتابع المختصون ان الاعتماد المتزايد على قطاع الخدمات، وتحديدا خدمات التوصيل والاعمال المهنية المرنة، ساهم في استيعاب اعداد كبيرة من الباحثين عن عمل. وشددوا على ان هذا النوع من التوظيف يفتقر في كثير من الاحيان الى الاستقرار الوظيفي او المزايا التامينية والاجتماعية المطلوبة، لكنه اصبح الملاذ الوحيد امام ضغوط التضخم وتراجع القوة الشرائية، مما يجعل من تراجع البطالة مؤشرا يحتاج الى قراءة دقيقة بعيدا عن التفاؤل المفرط.
تحليل المشهد الاقتصادي وسوق العمل
وبين الخبير الاقتصادي وائل النحاس ان هناك تضاربا بين انخفاض البطالة وبين المؤشرات الاقتصادية الاخرى، مثل مؤشر مدير المشتريات الذي لا يزال يشير الى انكماش في القطاع الخاص غير النفطي. واوضح ان استمرار هذا المؤشر دون مستوى الخمسين نقطة للشهر السابع على التوالي يعزز التساؤلات حول طبيعة الوظائف الجديدة ونوعيتها. واكد ان الاقتصاد المصري يمر بمرحلة دقيقة تتطلب موازنة صعبة بين متطلبات النمو وبين تبعات الازمات الجيوسياسية التي اثرت بشكل مباشر على تكاليف الانتاج والتشغيل.
وكشف الباحث في الانثروبولوجيا وليد محمود ان التغيرات في سوق العمل تعكس ايضا تحولا في الثقافة المجتمعية تجاه المهن المختلفة. واشار الى ان الشباب اصبحوا اكثر مرونة في قبول فرص العمل المتاحة بعيدا عن انتظار الوظيفة المكتبية التقليدية. واضاف ان اكتساب المهارات والقدرة على الانتقال بين المهن اصبحا من الركائز الاساسية التي يعتمد عليها الافراد للاندماج في الاقتصاد الحالي، وهو ما يفسر جزئيا قدرة السوق على استيعاب اعداد جديدة من العاملين رغم الصعوبات الاقتصادية.
واوضح المراقبون ان التحدي الحقيقي يكمن في استدامة هذه الوظائف وجودتها ومدى قدرتها على توفير حياة كريمة للعمال. واكدوا ان الربط بين انخفاض البطالة وبين مستوى المعيشة يظل القضية الاكثر الحاحا، خاصة في ظل ارتفاع معدلات الفقر وتزايد الضغوط على ميزانيات الاسر. وشددوا على ان المرحلة المقبلة تتطلب سياسات اقتصادية قادرة على تحويل هذه الطاقات البشرية الى قطاعات انتاجية اكثر استقرارا لضمان نمو حقيقي ومستدام للجميع.
