تحول هاتف محطم ملقى على قارعة الطريق في مدينة الزاوية الليبية الى رمز مأساوي لما تعيشه البلاد من فوضى سلاح وانفلات امني، حيث انتشرت صورة الهاتف الذي يومض بكلمة امي بشكل واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي عقب اشتباكات دامية شهدتها المنطقة مؤخرا. واظهرت المشاهد المتداولة جثامين القتلى محملة على شاحنات وسط صراخ الاهالي، بينما وثقت كاميرات الهواتف دمارا واسعا في الممتلكات العامة والخاصة واطلاق نار عشوائي في مناطق سكنية مكتظة. وبينت هذه الصور مدى خطورة الوضع في ظل غياب تام لاي تحرك قانوني جاد لمحاسبة المتورطين الذين يظهرون في المقاطع بوضوح دون خوف من ملاحقة او عقاب.

واكد ناشطون ان هذه المشاهد تتكرر بشكل شبه دوري عقب كل جولة من جولات الصراع المسلح، ولكن بمجرد ان تضع المدافع اوزارها وتتدخل الوساطات القبلية او الامنية لفرض هدنة هشة، تختفي الادلة وتتبخر المطالبات بالتحقيق. واوضح الناشط الحقوقي طارق لملوم ان انقسام المؤسسات السياسية والعسكرية في ليبيا هو السبب الرئيسي وراء تعاظم نفوذ امراء الحرب، مبينا ان هؤلاء القادة يفرضون واقعا يصعب على السلطات القضائية والشرطية اختراقه او مواجهته. واضاف ان نشر هذه المقاطع من قبل المواطنين لا يهدف في اغلب الاحيان الى التوثيق القانوني بقدر ما يعكس حالة من اليأس ونداءات استغاثة لانقاذ المدنيين من جحيم الاشتباكات العبثية.

واشار لملوم الى ان بعض التشكيلات المسلحة ترفض الخضوع للتحقيقات خارج مناطق نفوذها، مما يضع المحققين في موقف ضعف ويرهب الشهود. وشدد على ان هناك جهودا حقوقية تبذل من قبل منظمات دولية لجمع الادلة وتحديد هويات المسلحين وقادتهم تمهيدا لاعداد ملفات ادانة دولية، خاصة في ظل العجز المحلي عن حماية الشهود او الوصول الى الحقيقة. وبين ان الاعتماد على القضاء الوطني وحده في ظل هيمنة السلاح اصبح امرا مستحيلا، مما يفتح الباب امام ضرورة التحرك الخارجي لضمان عدم افلات الجناة من المساءلة.

صراع النفوذ واقتصاد الحرب في ليبيا

وكشفت تقارير ميدانية ان جوهر الصراع لا يخرج عن كونه تنافسا شرسا للسيطرة على منابع الثروة، مثل مصفاة النفط وممرات تهريب الوقود والبشر. واظهرت المتابعات ان المفارقة الكبرى تكمن في ان هذه المجموعات تتقاضى رواتبها من خزينة الدولة وتتبعها اسميا، بينما تدين بالولاء المطلق لقادتها ومصالحها الشخصية. واوضح الناشط السياسي سنان عبد المجيد ان غياب مؤسسة عسكرية موحدة جعل حاملي السلاح يتصرفون كأنهم فوق القانون، حيث يتم التعامل مع الخسائر البشرية كأرقام يتم تعويضها لاحقا من قبل القادة، بينما تتكفل البلديات بمعالجة الاضرار المادية.

واضاف الخبير القانوني هشام سالم الحاراتي ان الحالة الليبية باتت تشبه استوديو مفتوحا للتوثيق الذي لا يؤدي الى نتيجة، حيث يتباهى بعض المسلحين بنشر جرائمهم تحت مسميات براقة. وبين الحاراتي ان عجز الدولة عن اتخاذ خطوات حقيقية لردع هؤلاء القادة يغذي بشكل مباشر دائرة العنف، مشيرا الى ان الحل الوحيد يكمن في تفكيك هذه التشكيلات ودمج عناصرها في مؤسسات مهنية خاضعة للقانون. واكد ان استمرار هذه الاشتباكات يعرقل اي مسار سياسي او انتخابي، خاصة مع تزايد ضحايا المدنيين الذين يدفعون ثمن طموحات امراء الحرب في السيطرة على الارض والموارد.

وشدد المراقبون على ان حكومة الوحدة الوطنية تجد نفسها مقيدة في التعامل مع هذه المجموعات، نظرا للحاجة الى دعمها في ظل التوازنات السياسية المعقدة. واضافوا ان هذا العجز يرسخ شعور المواطن الليبي بانه متروك لمصيره في مواجهة سلاح لا يهدأ، موضحين ان التوثيق الرقمي للانتهاكات قد يكون الوسيلة الوحيدة المتبقية لضمان توثيق التاريخ وتحديد المسؤوليات في انتظار انفراجة سياسية حقيقية تنهي حالة الانقسام وتوحد الاجهزة الامنية تحت سلطة واحدة.