يواجه الوجود المسيحي التاريخي في الضفة الغربية تحديات وجودية غير مسبوقة، حيث باتت الظروف الاقتصادية الخانقة والقيود العسكرية المشددة، بالإضافة إلى تصاعد اعتداءات المستوطنين، تدفع العائلات الفلسطينية المسيحية نحو خيار الهجرة للبحث عن ملاذ آمن. ويؤكد القس متري الراهب، رئيس جامعة دار الكلمة، أن وتيرة مغادرة العائلات تسارعت بشكل مقلق منذ اندلاع الحرب الأخيرة، محذرا من ان استمرار هذه الضغوط قد يؤدي إلى تلاشي الحضور المسيحي في المنطقة بشكل نهائي خلال العقود القادمة.

واوضح الراهب أن تقديرات الكنائس تشير إلى رحيل مئات العائلات المسيحية خلال فترة وجيزة، مبينا أن حالة من الاحباط العام تسود اوساط الشباب الذين فقدوا الامل في بناء مستقبل مستقر داخل وطنهم. واكد ان العوائق اليومية، بدءا من صعوبة التنقل عبر الحواجز العسكرية وصولا إلى تدهور الاوضاع المعيشية، جعلت من فكرة البقاء مغامرة محفوفة بالمخاطر، وهو ما يفسر تحول نظرة الاهالي من التمسك بالابناء إلى تشجيعهم على الرحيل طلبا للامان.

وكشفت وزيرة الخارجية الفلسطينية، فارسين اغابيكيان، أن العوامل الاجتماعية والروابط العائلية في الخارج تمنح المسيحيين فرصا اكبر للهجرة مقارنة بغيرهم، مشيرة إلى أن هذا الواقع يضع المجتمع الدولي امام مسؤولياته الاخلاقية. واضافت ان تراجع اعداد المسيحيين في الضفة الغربية والقدس الشرقية يمثل جرس انذار حقيقي يستوجب تحركا جديا لحماية هذا المكون الاصيل من النسيج الوطني الفلسطيني.

مؤشرات مقلقة وتاريخ من الهجرة المستمرة

وبينت الاحصائيات التاريخية ان نسبة المسيحيين في الضفة الغربية شهدت انخفاضا حادا منذ سبعينات القرن الماضي، حيث تقلصت نسبتهم من مجمل السكان بشكل كبير. واشار باحثون إلى ان الهجرة لم تعد خيارا فرديا بل اصبحت ظاهرة مجتمعية تتغذى على فقدان الشعور بالامان، خاصة في البلدات التي تعاني من تضييق الخناق والحصار المستمر.

واظهرت دراسات ميدانية سابقة أن نسبة كبيرة من الشباب المسيحي يضعون الهجرة على رأس اولوياتهم بسبب غياب الافق السياسي والاقتصادي. واكد مدير المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، خليل الشقاقي، ان الاوضاع الراهنة زادت من حدة هذه الرغبة، موضحا ان التحديات الامنية والاقتصادية اصبحت اكثر قسوة مما كانت عليه في سنوات سابقة، مما يعزز من فرص اتخاذ قرار الرحيل النهائي.

واضاف الشقاقي ان القلق من المستقبل بات المحرك الاساسي للعائلات، مبينا ان الممارسات التي تشهدها القرى والبلدات المسيحية، مثل بلدة الطيبة التي تعرضت لمضايقات واعتداءات، تسرع من وتيرة تفريغ الارض من سكانها. وشدد على ان هذه المعطيات ترسم صورة قاتمة لمستقبل التنوع الثقافي والديني في المنطقة ما لم تتغير الظروف القاسية التي تحيط بالمواطنين.