يواجه اصحاب المطاعم والمحال التجارية في قطاع غزة تحديا وجوديا يهدد استمرار اعمالهم، حيث اصبحت عملية تبريد الاغذية معركة يومية ضد الحرارة المرتفعة ونقص الطاقة. بالنسبة لرائد ابو سيدو صاحب احد المطاعم، لم يعد الحفاظ على برودة اللحوم مجرد مسالة تقنية، بل تحول الى خط دفاع اخير لحماية بضاعته من التلف والتحول الى خسائر فادحة في ظل انقطاع التيار الكهربائي المستمر.

واظهرت المعطيات الحالية ان الاعتماد على المولدات الخاصة لتشغيل الثلاجات بات يكلف مبالغ طائلة، اذ ارتفع سعر الكيلوواط الواحد بنسبة تصل الى 6500% مقارنة بما كان عليه الحال قبل اندلاع الحرب. واضاف ابو سيدو ان التكلفة الباهظة للوقود وقطع غيار المحركات المتهالكة جعلت من التبريد عبئا ماليا يضاهي سعر المنتج نفسه، مما اضطره لرفع اسعار الوجبات والسلع على المستهلكين الذين يعانون اصلا من ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

واكد العديد من التجار ان تشغيل الثلاجات التجارية الكبيرة يحتاج الى مبالغ ضخمة يوميا لتامين الوقود والزيوت، حيث تصل تكلفة تشغيل بعض المنشآت الى 30 الف شيكل يوميا. واوضح اصحاب الاعمال ان الاستمرار في العمل اصبح مغامرة محفوفة بالمخاطر، حيث يضطر الكثيرون لتحمل خسائر كبيرة لضمان سلامة الغذاء وتجنب تعريض حياة المستهلكين للخطر بسبب فساد المواد المخزنة.

صناعة الثلج اسيرة ازمة الطاقة

ويكشف محمود صبرة مدير احد مصانع الثلج في حي الدرج بمدينة غزة عن الوجه الاخر للازمة، حيث اصبحت صناعة الثلج نفسها رهينة لنقص الوقود وارتفاع تكاليف التشغيل. واشار صبرة الى ان المولد الكهربائي اصبح القلب النابض للمصنع، لكنه يواجه صعوبات جمة في توفير الزيوت وقطع الغيار الضرورية لاستمرار دوران المحركات خلال فصل الصيف.

وبين صبرة ان سعر الكيلوغرام الواحد من الثلج تجاوز حاجز الدولارين، مما ادى الى تراجع الطلب عليه رغم الحاجة الماسة له في ظل الحرارة الشديدة. واضاف ان المصنع يعمل حاليا بطاقة محدودة جدا تقتصر على تلبية احتياجات المناطق المجاورة فقط، وذلك بسبب صعوبات النقل وتكاليف الوقود التي تجعل من ايصال الثلج الى مسافات بعيدة امرا شبه مستحيل.

واوضح مدير المصنع ان القدرة الانتاجية الحالية لا تعكس الامكانيات الفعلية للمنشأة، مشيرا الى ان نقص الطاقة هو العائق الوحيد الذي يمنع توسيع نطاق العمل. واكد ان الثلج الذي كان يوما ما جزءا اساسيا من الحياة اليومية في غزة، سواء للصيادين او للمطاعم او العائلات، اصبح اليوم سلعة يصعب على الكثيرين الحصول عليها بسبب التكاليف الباهظة التي تفرضها ظروف الحرب.

تداعيات تلف المواد الغذائية

وتشير تقارير وزارة الاقتصاد الى ان قطاع التبريد في غزة تعرض لضربة قاصمة، حيث تضررت البنية التحتية للمخازن والمجمدات بشكل كبير. واوضح محمد بربخ المدير العام للدراسات في الوزارة ان العديد من التجار اضطروا لاستخدام منشآت زراعية غير مؤهلة لتخزين اللحوم، مما ادى الى ضعف الكفاءة وزيادة نسبة التلف في المواد الغذائية المستوردة.

وذكر بربخ ان كميات الاغذية التالفة بلغت خلال شهر واحد فقط نحو 250 طنا، غالبيتها من اللحوم المجمدة التي لم تتحمل ظروف التخزين القاسية. واضاف ان تقليل ساعات تشغيل الثلاجات لتوفير النفقات ساهم بشكل مباشر في تفاقم هذه الازمة، مما يضع الامن الغذائي للسكان تحت تهديد مستمر في ظل غياب بدائل طاقة مستدامة.

وبين المسؤول الحكومي ان منطقة جنوب القطاع تعاني من خلوها من مصانع الثلج، مما يجعل مصنع صبرة في الشمال هو الوحيد الذي يقدم خدماته بحدود ضيقة. وشدد على ان اعادة تفعيل منظومة التبريد تتطلب حلولا جذرية تضمن توفير الوقود وقطع الغيار، وهو ما يبدو بعيد المنال في ظل استمرار الظروف الراهنة التي تعيق عمل القطاعات الحيوية في غزة.