كشفت بيانات حكومية حديثة عن واقع صادم يعيشه الاطفال في ليبيا حيث يعاني نحو نصفهم من فقر غذائي حاد نتيجة تراكم الازمات الاقتصادية والسياسية التي تشهدها البلاد منذ سنوات طويلة. واظهرت نتائج المسح الذي اجرته مصلحة الاحصاء والتعداد ان ما يقرب من نصف الاطفال لا يحصلون على احتياجاتهم الاساسية من الغذاء المتوازن مما يضع جيلا كاملا امام مخاطر صحية وتنموية قد تستمر تداعياتها لعقود قادمة.
واكد مراقبون ان هذا التدهور في الحالة الغذائية للاطفال لا يمكن فصله عن حالة الانقسام السياسي والعسكري التي تعيشها ليبيا والتي انعكست بشكل مباشر على استقرار الاسر وقدرتها الشرائية. وبينت المؤشرات الرسمية ان نسبة الاطفال الذين يعيشون في فقر غذائي وصلت الى قرابة 50 بالمئة بينما لم تتجاوز نسبة من يحصلون على وجبات غذائية مقبولة الـ 30 بالمئة مما يعكس فجوة عميقة في الامن الغذائي الوطني.
واضافت نتائج المسح تفاصيل مقلقة حول النظام الغذائي اليومي للصغار موضحة ان نسبة كبيرة منهم لا يتناولون البروتينات الضرورية مثل اللحوم او البيض بشكل منتظم مما يؤثر بشكل مباشر على نموهم البدني والذهني. واشار مختصون الى ان هذه الفجوة الغذائية تتجاوز مجرد نقص السعرات الحرارية لتصل الى تهديد البنية الصحية للطفل الليبي في مراحل عمرية حرجة.
انعكاسات الازمة على صحة الطفل
وبين طبيب الاسنان خالد الشارف ان العيادات الطبية باتت تستقبل حالات متكررة لاطفال يعانون من مشاكل صحية مرتبطة بشكل مباشر بنقص العناصر الغذائية الضرورية. واوضح ان التغذية غير المتوازنة تسببت في اضطرابات واضحة في نمو العظام والاسنان لدى شريحة واسعة من الاطفال وهو ما يشير الى ان الازمة الاقتصادية بدات تترك اثارها الجسدية على الجيل الجديد.
وشدد الشارف على ان هذه المؤشرات لا تعكس فقط عجز الاسرة عن توفير الطعام بل تكشف عن خلل هيكلي في مستوى المعيشة الذي تفرضه الظروف الامنية والسياسية غير المستقرة. واكد ان معالجة هذه المشكلات تتطلب حلولا جذرية تتجاوز مجرد تقديم المساعدات الغذائية لتشمل تحسين الوضع الاقتصادي العام للاسر الليبية.
واوضح رئيس منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي خالد بوزعكوك ان الضغوط الاقتصادية وتآكل قيمة الدينار الليبي جعلا من توفير وجبة متوازنة امرا يفوق قدرة الكثير من العائلات. واشار الى ان متوسط الدخل الشهري للأسرة لا يتناسب ابدا مع تكاليف المعيشة المتصاعدة مما يضطر الاهالي الى الاعتماد على اطعمة رخيصة تفتقر الى القيمة الغذائية المطلوبة للنمو.
ثقافة التغذية وواقع الاسواق
وكشفت اخصائية التغذية هبة الشيباني ان المشكلة ليست في ندرة الغذاء بل في نمط الاستهلاك والثقافة الغذائية السائدة التي تاثرت سلبا بالظروف المعيشية الصعبة. واضافت ان هناك حاجة ملحة لتعزيز الوعي الصحي لدى الاسر حول كيفية اختيار البدائل الغذائية المتاحة باسعار مناسبة لضمان حصول الاطفال على الحد الادنى من العناصر الضرورية.
وبينت الشيباني ان ليبيا تتمتع بتنوع غذائي جيد لكن التحدي الاكبر يكمن في القدرة على الوصول الى هذا الغذاء وتوزيعه بشكل عادل بين مختلف فئات المجتمع خاصة تلك الاكثر احتياجا. واكدت ان تحسين الوضع الغذائي للاطفال يتطلب تضافر جهود مؤسسات الدولة مع المجتمع المدني لضمان توفير بيئة امنة ومستقرة تتيح للاسر توفير حياة كريمة لابنائها.
واشار خبراء اقتصاد الى ان معدلات التضخم المرتفعة تزيد من تعقيد المشهد المعيشي حيث تظل اسعار السلع الاساسية في حالة تذبذب دائم. وشدد هؤلاء على ضرورة تبني سياسات مالية واقتصادية تدعم القدرة الشرائية للمواطن لضمان عدم اتساع رقعة الفقر الغذائي الذي بات يهدد مستقبل اطفال ليبيا بشكل مباشر.
