شهدت العاصمة دمشق حدثا قضائيا تاريخيا وغير مسبوق حيث اصدرت محكمة الجنايات الرابعة احكاما بالاعدام بحق الرئيس المخلوع بشار الاسد وعدد من كبار اركان نظامه السابق ومن بينهم المسؤول الامني عاطف نجيب. واكدت هذه القرارات القضائية بداية مرحلة جديدة من المحاسبة القانونية في سوريا وذلك في اول خطوة من نوعها تعقب التغييرات السياسية الكبرى التي شهدتها البلاد. واظهرت المشاهد داخل اروقة القصر العدلي حالة من التفاعل الشعبي الكبير فور النطق بالاحكام وسط هتافات طالبت بالعدالة وانصاف الضحايا.

واوضح المحامي فضل الشوامرة عضو اللجنة القانونية المكلفة بالادعاء الشخصي عن ضحايا درعا ان هذا الحكم يمثل ركيزة اساسية لاعادة بناء الثقة بين المواطن السوري ومنظومة القضاء. وبين الشوامرة ان المحكمة اقرت حق المتضررين في الحصول على تعويضات مالية مجزية من املاك المتهمين المصادرة مشددا على ان الحكم صدر بالتكافل والتضامن مما يتيح تنفيذ العقوبات والتعويضات على اي من المتهمين المدانين.

وكشفت التحقيقات ان عدد المتمثلين في الدعوى القضائية ضد عاطف نجيب تجاوز المئة شخص من اهالي درعا بالإضافة الى عدد كبير من الافراد الذين حضروا بصفتهم الشخصية للمطالبة بحقوقهم. واضاف المحامي ان القرار القضائي يفتح الباب امام المتضررين الذين لم يتمكنوا من الحضور لتقديم دعاوى مستقلة امام القضاء للمطالبة بحقوقهم المالية والقانونية كاملة.

مسار التقاضي والطعون القانونية

وبينت المحكمة ان الاحكام الصادرة قابلة للطعن بالنقض من قبل النيابة العامة او جهة الادعاء او المتهمين خلال مدة ثلاثين يوما من تاريخ التبليغ الرسمي. واوضح الشوامرة ان تبليغ عاطف نجيب تم وجاهيا لحضوره الجلسات بينما يتم تبليغ بقية المحكومين غيابيا عبر الاعلانات الرسمية المعتمدة. واكد ان ملف القضية سينتقل بعد ذلك الى الغرفة الجزائية في محكمة النقض للبت فيه بشكل نهائي حيث سيتم تصديق القرار ليصبح قطعي النفاذ.

واضاف الخبراء القانونيون ان صدور احكام الاعدام غيابيا بحق الفارّين قد يواجه تحديات اجرائية خاصة في حال وجودهم بدول ترفض عقوبة الاعدام ضمن تشريعاتها المحلية. وشدد نقيب المحامين محمد علي الطويل على ان هذه العوائق لا تسقط حق الدولة السورية في ملاحقة المجرمين دوليا. واشار الى ان سوريا تمتلك مسارات قانونية واتفاقيات ثنائية يمكنها الاستناد اليها لتقديم طلبات التسليم بالتنسيق مع الانتربول والمنظمات الدولية ذات الصلة.

واكد الطويل ان روسيا وغيرها من الدول التي قد تأوي فارين تعد ضمن دائرة الملاحقة القانونية التي تسعى الدولة السورية لتفعيلها عبر القنوات الدبلوماسية والقضائية. وبين ان النشرة الحمراء التي يصدرها الانتربول تعد اداة فعالة لتحديد اماكن المطلوبين وتوقيفهم مؤقتا تمهيدا لاجراءات التسليم وفق المعاهدات النافذة. وشدد على ان الارادة السياسية والقانونية للمضي في محاسبة المتورطين بجرائم ضد الانسانية تظل قائمة رغم اي تعقيدات سياسية محتملة.

تفاصيل الادانة والجرائم المنسوبة

وكشف القاضي فخر الدين العريان خلال جلسة النطق بالحكم ان الادلة والشهادات اثبتت تورط عاطف نجيب في جرائم تعذيب وقتل ممنهجة بدأت في درعا. واوضح القاضي ان فرع الامن السياسي كان المسؤول المباشر عن اقتحام المسجد العمري وتنفيذ حملة المصيدة الامنية ضد المدنيين العزل. واكد ان المحكمة استندت في حكمها الى استجوابات موثقة واقوال شهود عيان اكدوا ارتكاب تلك الافعال التي تصنف كجرائم ضد الانسانية.

واضاف القاضي العريان ان دور بشار الاسد في هذه الجرائم كان دور صاحب القرار الاعلى الذي سخر كافة اجهزة الدولة لخدمة عمليات القمع والقتل. وبين ان المحكمة جرمته بجنايات القتل العمد للاطفال والمدنيين والتعذيب والاعتقال التعسفي. وشدد على ان هذه الاحكام تأتي تتويجا لمسار طويل من التحقيقات التي اشرفت عليها هيئات قضائية وطنية بحضور ممثلين عن منظمات انسانية دولية لضمان شفافية المحاكمة.

وختم القاضي الجلسة بالتأكيد على ان القانون السوري يسمح بتنفيذ الاحكام القضائية في مواقع وقوع الجرائم ليكون ذلك رسالة واضحة للعدالة. واضاف وزير الداخلية انس خطاب في تعليق له ان هذا الحكم يعد خطوة تاريخية وانصافا لتضحيات الشعب السوري خلال سنوات الحرب. واكد ان الجهود ستستمر لملاحقة كافة المتورطين حتى ينالوا جزاءهم العادل امام القضاء الوطني المستقل.