كشفت وقائع ميدانية جديدة في بلدة قصرة جنوب نابلس عن نمط متكرر من تواطؤ قوات الاحتلال مع المستوطنين، حيث أقدمت قوة عسكرية على تنفيذ ما وصفه الأهالي بمسرحية إخلاء صورية لمنزل عائلة يوسف عبد السلام. وبينما ادعى الجيش مغادرته للمكان بعد إخلاء ساحة المنزل، بقي المستوطنون المسلحون يفرضون حصارهم على العائلة، وسط استمرار عمليات رشق الحجارة والتهديد المباشر بهدف إجبار السكان على الرحيل عن أرضهم.

وأكد شهود عيان من المنطقة أن المستوطنين فرضوا طوقا أمنيا حول المنزل منذ أربعة أيام، مانعين الأهالي من الوصول إليه ومقيمين خيمة في محيطه بحماية واضحة من الجنود. وأوضح الأهالي أن القوة العسكرية التي وصلت للموقع اكتفت بحوار قصير مع المقتحمين قبل أن تنسحب وتتركهم يواصلون حصارهم للمنزل الواقع في منطقة مصنفة ب، والتي يفترض أنها خاضعة إداريا للسلطة الفلسطينية.

وأضافت المصادر أن هذا التحرك العسكري جاء في أعقاب ضغوط داخلية، حيث وقع نحو 300 ضابط وجندي في قوات الاحتياط عريضة موجهة لرئيس الأركان، يطالبون فيها بوضع حد لهجمات الميليشيات المسلحة التي تضر بسمعة المؤسسة العسكرية وتستنزف قدراتها. وحذر الجنود في رسالتهم من أن استمرار هذه الاعتداءات يولد احتقانا شعبيا قابلا للانفجار في أي لحظة، مما يهدد حياة الجنود والمستوطنين على حد سواء.

فشل ذريع للجيش ومخاوف من انفجار الأوضاع

وبينت المعطيات الميدانية أن المستوطنين بدأوا سلسلة مضايقات استمرت لأشهر ضد عائلة عبد السلام، شملت قطع التيار الكهربائي ومحاولات اقتحام متكررة دفعت العائلة لتنظيم مناوبات حراسة ليلية. وأظهرت التطورات الأخيرة أن المستوطنين استبقوا وصول قوات الجيش بإغلاق الطرق المؤدية للمنزل بالحجارة، مما وفر لهم غطاء للبقاء في الموقع رغم ادعاءات الإخلاء الرسمية.

وأوضح مصدر أمني أن حالة الفوضى التي شهدتها المنطقة ناتجة عن تسريب معلومات مسبقة حول نية الإخلاء، مما سمح لعشرات المتطرفين بالوصول إلى المكان وتشكيل ضغط ميداني حال دون تنفيذ أي إجراء حقيقي. وشدد مراقبون على أن هذا الادعاء يندرج ضمن سياسة التضليل التي تتبعها السلطات الإسرائيلية للتغطية على عجزها أو عدم رغبتها في مواجهة العنف الاستيطاني.

وأكدت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن وتيرة الاعتداءات سجلت ارتفاعا قياسيا، حيث وثقت أكثر من ألفي اعتداء خلال شهر واحد في مختلف محافظات الضفة. وبينت الهيئة أن الجيش يوفر بيئة حاضنة لهذه الممارسات، مما يحول الاعتداءات الفردية إلى وقائع استعمارية ثابتة على الأرض تهدف إلى تهجير التجمعات الفلسطينية بشكل منهجي.

تغول سياسي وعسكري ضد الوجود الفلسطيني

وكشفت تقارير صحفية أن الاعتداءات لم تقتصر على الفلسطينيين، بل طالت الصحفيين الذين يحاولون توثيق الجرائم في قصرة. وأظهرت التحليلات أن هناك فقدانا كاملا للسيطرة الأمنية، في ظل تشجيع علني من وزراء في الحكومة وأعضاء كنيست يسعون لكسب أصوات المستوطنين عبر إطلاق وعود متطرفة وتسهيل الاستيلاء على الأراضي.

وأشار خبراء أمنيون إلى أن هذا العنف ليس عشوائيا، بل هو عمل منهجي تقوده أطراف سياسية وعسكرية مشتركة. وأضافوا أن الهدف النهائي من هذه الممارسات في قصرة وغيرها من المناطق هو تفريغ الأرض من أصحابها الأصليين، مؤكدين أن ما يجري في هذه البلدة يمثل حالة نموذجية لسياسة التوسع الاستيطاني التي تتغذى على الفراغ القانوني والأمني المتعمد.

وأكد المحللون أن التنافس الانتخابي داخل أروقة السياسة الإسرائيلية يدفع نحو مزيد من التطرف في التصريحات والمواقف الميدانية. وبينوا أن التجمعات الفلسطينية تواجه الآن مخططات طرد منظمة تتم بغطاء رسمي، مما يجعل من قصرة عنوانا بارزا لصراع وجودي طويل الأمد في ظل غياب أي رادع دولي أو محلي يوقف هذا الزحف الاستيطاني.