شهد المشهد القضائي والسياسي في لبنان تطورا لافتا مع اقرار قانون العفو العام الذي طال انتظاره بعد سنوات من الجدل العقيم بين الكتل النيابية. وقد جاء هذا القرار ليضع حدا لمعاناة مئات الموقوفين الذين قضوا فترات طويلة خلف القضبان دون محاكمات عادلة، مما عكس حالة من الارتياح الشعبي والسياسي العام بكونه يمثل الحد الادنى من التوافق الوطني الضروري في هذه المرحلة.
واكدت مصادر نيابية ان القانون بصيغته النهائية تضمن تعديلات جوهرية توازن بين الحق العام والحق الشخصي للمتضررين، حيث تم خفض شرط اخلاء السبيل للموقوفين ليصبح اثنتي عشرة سنة بدلا من اربعة عشر عاما. واوضحت ان هذه الصيغة جاءت بعد انسحابات سياسية سجلها نواب من كتل معينة اعتراضاً على شمول فئات محددة بالعفو، مما يعكس حدة التباينات التي رافقت مسار التشريع.
وبينت النقاشات التي سبقت التصويت ان التعديلات حذفت كلمة مبرم من النص القانوني لضمان شمول اكبر عدد ممكن من الذين لم تصدر بحقهم احكام نهائية، مع الحفاظ على حق المتضررين في ملاحقة حقوقهم المدنية. واضافت المداولات ان هذا القانون يهدف في جوهره الى تخفيف الاكتظاظ الخانق داخل السجون اللبنانية وتحويل المحاكمات الى مسارات اكثر سرعة ومرونة.
ابعاد سياسية وقضائية لملف العفو
واعتبر مراقبون ان اقرار هذا القانون يمثل انتصارا للعدالة في ظل ظروف سياسية بالغة التعقيد كادت ان تؤدي الى انقسام حاد في البلاد. واشار نواب في البرلمان الى ان التوافق الذي تم التوصل اليه كان ضرورة وطنية لتجنب استمرار ظلم الاف السجناء بسبب خلافات عالقة حول قضايا فردية، مؤكدين ان المصلحة العليا للدولة اقتضت المضي قدما في هذا الملف.
واوضح النائب بلال عبد الله ان الصيغة المقرة تسمح بتمرير القانون رغم التحفظات، مشددا على ان استمرار التوقيف دون محاكمة كان يشكل خطرا على السلم الاهلي. واضاف ان التواصل مع الموقوفين اظهر رغبة حقيقية في الحل، حيث عبرت اوساط اسلامية عن قبولها لهذه التسوية التي تضمن الافراج عن اعداد كبيرة من المظلومين.
وكشفت التطورات ان ملف الشيخ احمد الاسير لم يجد طريقه للحل الفوري في هذا القانون، حيث سيستمر بقاؤه في السجن لقرابة العامين اضافيين وفق التقديرات الحالية. واكدت المصادر ان هذا التاخير جاء ضمن تسوية عامة لاغلاق الملف دون اثارة حساسيات سياسية قد تعطل التصويت على المشروع برمته.
تداعيات القانون على السجناء والمبعدين
وبينت الاحصاءات ان القانون سيفتح ابواب الحرية امام نحو الفي وثلاثمئة سجين في مرحلته الاولى، بينهم موقوفون ومحكومون بجرائم متنوعة. واضافت المعطيات ان هذه الخطوة تشمل ايضا الاف المبعدين الى اسرائيل منذ عام الفين، مما يفتح صفحة جديدة في ملفات طالما شكلت عبئا قانونيا واجتماعيا على الدولة اللبنانية.
واوضحت النائبة غادة ايوب ان الكتلة التي تنتمي اليها نجحت في ادراج مواد قانونية تضمن حق اللبنانيين المبعدين في العودة، مما يعد مكسبا حقوقيا مهما. واكدت ان هذا القانون ليس مجرد عفو بل هو اعادة اعتبار لشرائح واسعة من المواطنين الذين عانوا من تبعات طويلة لملفات امنية سابقة.
واظهرت الارقام ان الموقوفين الاسلاميين يشكلون جزءا من المستفيدين، حيث سيتم الافراج عن اعداد كبيرة منهم فورا، بينما سيتم خفض عقوبات اخرين وفق معايير قانونية دقيقة. واضافت ادارة السجون ان العمل جار على تسريع المعاملات لضمان خروج المستحقين في اقرب وقت ممكن، مما سيخفف الضغط عن المؤسسات العقابية ويحسن ظروفها المعيشية.
