شهد قطاع البتروكيماويات المدرج في السوق المالية السعودية تراجعا لافتا في صافي خسائره خلال النصف الاول من العام الحالي، حيث انخفضت الخسائر بنسبة فاقت 50 في المائة لتصل الى نحو 452.8 مليون دولار، وذلك مقارنة بالفترة المماثلة من العام الماضي التي سجلت فيها الشركات خسائر بلغت 908.5 مليون دولار. كشفت البيانات المالية ان هذا التحسن جاء نتيجة مباشرة لتعزيز الكفاءة التشغيلية في المصانع، بالاضافة الى تراجع حدة الخسائر في العمليات غير المستمرة وانخفاض مخصصات انخفاض قيمة بعض الاصول.
واظهرت النتائج تباينا في اداء الشركات التسع المدرجة في السوق، حيث تمكنت اربع شركات من تحقيق ارباح صافية بقيادة سابك للمغذيات وينساب والمجموعة السعودية واللجين، بينما استمرت خمس شركات اخرى في تسجيل خسائر متفاوتة. واكدت التقارير ان التحديات التي واجهت سلاسل الامداد وارتفاع تكاليف مدخلات الانتاج ظلت تشكل ضغطا على هوامش الربحية، مما حال دون تحقيق قفزات اكبر في الارباح للشركات الرابحة.
وبينت الارقام ان شركة سابك للمغذيات حافظت على صدارة الشركات الاكثر ربحية رغم تراجع ارباحها بنسبة طفيفة نتيجة انخفاض الكميات المبيعة، في حين سجلت شركة ينساب قفزة نوعية في ارباحها بنسبة نمو بلغت 363 في المائة بفضل ارتفاع اسعار البيع وتحسن اعتمادية المصانع. واضافت المجموعة السعودية الى سجلها نموا قويا في الارباح بنسبة 410 في المائة مقارنة بالعام السابق، مما يعكس تحسنا في الاداء التشغيلي للشركات ذات الكفاءة العالية.
استراتيجيات التشغيل في مواجهة تقلبات السوق
واوضح خبراء القطاع ان التباين في النتائج المالية يعود الى اختلاف مزيج المنتجات وتكلفة اللقيم لكل شركة، حيث لا تتحرك اسعار المنتجات البتروكيماوية في اتجاه موحد مما يخلق فرصا لشركات وضغوطا على اخرى. وشدد المحللون على ان الفارق بين سعر المنتج النهائي وتكاليف مدخلات الطاقة والتشغيل يظل المعيار الحقيقي لتقييم الربحية، مشيرين الى ان ارتفاع اسعار البيع قد لا يترجم دائما الى ارباح صافية في حال ارتفاع تكاليف المواد الاولية.
واشار المختصون الى ان الشركات التي استطاعت الحفاظ على معدلات تشغيل مرتفعة تمكنت من توزيع تكاليفها الثابتة بشكل اكثر كفاءة، مما عزز من قدرتها التنافسية في ظل ظروف السوق المتقلبة. واضافوا ان البنود غير المتكررة لعبت دورا في تحسين نتائج بعض الشركات الكبرى، وهو ما يتطلب من المستثمرين نظرة فاحصة تفصل بين الاداء التشغيلي المستدام والارباح الناتجة عن تسويات استثنائية.
وبينت التحليلات ان قطاع البتروكيماويات لا يزال يواجه تحديات تتعلق بفائض الطاقة الانتاجية العالمي، وهو ما يضغط على هوامش الربح ويجعل التعافي عملية تدريجية. واكدت النتائج ان الشركات السعودية تظهر مرونة عالية في التعامل مع اضطرابات سلاسل الامداد العالمية عبر الاستفادة من البنية اللوجستية المتطورة، خاصة على الساحل الغربي للمملكة الذي يسهل مسارات التصدير نحو الاسواق العالمية.
توقعات المرحلة المقبلة للقطاع البتروكيماوي
واوضح الخبراء ان المرحلة القادمة ستظل مرتبطة بمتغيرات دولية حاسمة، ابرزها الطلب في الاسواق الاسيوية والصينية، بالاضافة الى اتجاهات اسعار اللقيم العالمية. وشددوا على ان السيناريو الاكثر ترجيحا هو استمرار التحسن التدريجي، مع بقاء الفجوة واضحة بين الشركات ذات التكلفة التنافسية والشركات التي لا تزال تعاني من ارتفاع تكاليف الانتاج.
واضاف المحللون ان مراقبة الهوامش التشغيلية وتدفقات السيولة ستكون هي المقياس الحقيقي لنجاح الشركات في النصف الثاني من العام، بعيدا عن قراءة صافي الارباح والخسائر بشكل مجرد. واكدوا ان الشركات التي تمتلك ميزانيات قوية وتنوعا في محفظة منتجاتها ستكون الاكثر قدرة على تجاوز التحديات الجيوسياسية واضطرابات الشحن البحري.
وبينت المؤشرات ان التفاؤل الحذر هو سيد الموقف، حيث يظل التعافي انتقائيا ويعتمد بشكل كبير على قدرة الشركات على خفض التكاليف ورفع الكفاءة الانتاجية. واختتم المحللون توقعاتهم بالاشارة الى ان السوق ينتظر استقرارا اكبر في سلاسل الامداد العالمية لضمان عودة القطاع الى دورة صعود مستدامة تعيد للهوامش الربحية مستوياتها السابقة.
