تشهد الاسواق العالمية حالة من الترقب في ظل القفزة الكبيرة التي سجلتها تكاليف الاقتراض المعدلة وفقا للتضخم والتي وصلت الى اعلى مستوياتها في اكثر من عقد من الزمن. وتأتي هذه التطورات مدفوعة بشكل رئيسي من الطلب المتزايد على السيولة لتمويل مشاريع الذكاء الاصطناعي الضخمة الى جانب استمرار الحكومات في توسيع نطاق اصدارات السندات. واصبح هذا الارتفاع يشكل تحديا حقيقيا للاقتصاد العالمي ويضع ضغوطا متزايدة على اسواق الاسهم التي واجهت حتى الان هذه المخاطر بمرونة ملحوظة.
واوضح الخبراء ان العوائد الحقيقية التي يطلبها المستثمرون فوق معدل التضخم تعكس التكلفة الفعلية للاقتراض وتتأثر بشكل مباشر بتوقعات النمو الاقتصادي وسياسات الفائدة. واكدت البيانات ان السندات الاميركية طويلة الاجل تقترب من مستويات تاريخية لم تشهدها منذ نحو عقدين في حين تتبعها السندات البريطانية والالمانية في مسار تصاعدي مشابه. وبين المحللون ان شهية شركات التكنولوجيا العملاقة للاقتراض بهدف بناء البنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي خلقت منافسة محمومة على رؤوس الاموال المتاحة في الاسواق.
واضاف المتابعون للسوق ان الحكومات تساهم ايضا في هذا الضغط من خلال عجز الموازنات المرتفع الذي يتطلب تمويلا مستمرا عبر اصدار المزيد من ادوات الدين. واشار المراقبون الى ان البنوك المركزية التي كانت تلعب دور المشتري الداعم للسندات قد غيرت استراتيجيتها مما ادى الى تراجع الطلب المؤسسي التقليدي وترك المجال لقوى السوق لرفع العوائد. وشدد الخبراء على ان استمرار هذا التوجه قد يؤدي في نهاية المطاف الى تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي مع تزايد تكاليف التمويل على الشركات والافراد على حد سواء.
تداعيات طفرة الذكاء الاصطناعي على اسواق الدين
وكشفت الارقام الصادرة عن مجموعة بورصة لندن ان شركات التكنولوجيا الكبرى قامت بضخ اصدارات ضخمة من السندات منذ بداية العام الحالي تجاوزت ضعف قيمتها في فترات سابقة. وذكر الخبراء ان هذا التدفق الهائل للسندات يعكس ندرة متزايدة في راس المال في وقت تتسابق فيه الشركات لتأمين مواردها المالية. واكد استراتيجيون في قطاع الاستثمار ان هذه المنافسة غير المسبوقة على السيولة ستظل عاملا ضاغطا يدفع عوائد السندات نحو الصعود المستمر.
واشار مديرو المحافظ الاستثمارية الى ان الانفاق الدفاعي واستثمارات الطاقة في اوروبا تضاف الى تكاليف الذكاء الاصطناعي لتشكل مزيجا من الضغوط المالية على الحكومات. واوضح المحللون ان قوة النمو الاقتصادي الاميركي تساهم ايضا في هذا الاتجاه حيث تمنح صانعي السياسات مساحة اكبر للابقاء على اسعار فائدة مرتفعة لفترة اطول. وشدد الخبراء على ان غياب الرغبة السياسية لخفض العجز المالي يعني ان العوامل الهيكلية التي ترفع العوائد ستظل قائمة لفترة طويلة.
هل تشكل العوائد الحقيقية خطرا على الاسهم
واكد محللون ان ارتفاع العوائد الحقيقية يقلل نظريا من جاذبية الاسهم كأصول استثمارية مقارنة بالسندات التي بدأت تقدم عوائد مجزية ومعدلة وفقا للتضخم. وبينت التحليلات ان المستثمرين قد يتجهون نحو ادوات الدخل الثابت اذا استمرت الفجوة في التقلص بين عوائد الاسهم والمخاطر المرتبطة بها. واضاف المتابعون ان الشركات الكبرى التي تستهلك سيولتها النقدية في مشاريع الذكاء الاصطناعي ستجد نفسها مضطرة للاعتماد على الائتمان بفوائد مرتفعة مما قد يؤثر على ربحيتها مستقبلا.
وكشف خبراء الاستثمار ان مستويات العوائد الحقيقية تقترب من عتبة قد تبدأ عندها بالتأثير سلبا على النمو الاقتصادي والاستهلاك. واوضحوا ان التوقعات تشير الى استمرار ارتفاع هذه العوائد حتى تصل الى نقطة توازن قد تؤدي الى خنق الاقتراض المفرط. واكد تقرير حديث ان النمو رغم متانته الحالية الا انه قد يبدأ في التعرض للتهديد اذا لم تتم معالجة عجز الموازنات وتكاليف الاقتراض المتصاعدة في المدى المنظور.
