كشفت وزارة التربية والتعليم الليبية عن نتائج امتحانات الشهادة الثانوية للدور الاول بنسبة نجاح عامة وصلت الى 77.28 بالمئة، وهي ارقام تبدو في ظاهرها ايجابية الا انها تفتح الباب واسعا امام نقاشات حول تباين جودة التعليم والوصول اليه بين مختلف الشرائح الاجتماعية والمناطق الجغرافية في البلاد. واظهرت البيانات ان القسم العلمي تصدر المشهد بنسبة نجاح بلغت 79.87 بالمئة، بينما سجل القسم الادبي 66.50 بالمئة، وتوزعت باقي النسب على التعليم الديني والمدارس الليبية في الخارج، وسط مشاركة واسعة تجاوزت 134 الف طالب وطالبة. واكد خبراء ان هذه النتائج الرقمية تخفي خلفها واقعا تعليميا يحتاج الى معالجات جذرية لتقليص الفوارق التي تعيق مسيرة الكثير من الطلاب.

واضافت المؤشرات التربوية ان نسبة الالتحاق بالتعليم تشهد تراجعا تدريجيا مع انتقال الطلاب من المرحلة الابتدائية وصولا الى الثانوية، حيث تنخفض النسبة من 96 بالمئة في الابتدائي الى 83 بالمئة في الثانوي، مما يشير الى تسرب صامت يعاني منه النظام التعليمي. وبينت البيانات ان الوضع الاقتصادي يلعب دورا محوريا في استمرار الطلاب في مقاعد الدراسة، اذ تصل الفجوة في صافي الالتحاق بين افقر شريحة واغناها الى 18 نقطة مئوية، وهي فجوة تتسع لتصل الى 20 نقطة عند قياس معدلات استكمال المرحلة الثانوية. واوضحت الدراسات ان الذكور والاناث يواجهون تحديات متفاوتة، حيث تظهر الاحصائيات ان الاناث يتفوقن في معدلات الالتحاق والاستكمال مقارنة بالذكور في هذه المرحلة الحساسة.

تحديات التعليم بين المناطق الجغرافية

وكشفت التحليلات الميدانية عن تفاوت جغرافي لافت للنظر، حيث تعاني مناطق مثل الكفرة من تدنٍ في معدلات الالتحاق التي لا تتجاوز 39 بالمئة، بينما تسجل مناطق اخرى مثل نالوت والزاوية نسبا مرتفعة تتجاوز 90 بالمئة، مما يضع صانع القرار امام مسؤولية توزيع الخدمات التعليمية بعدالة. واشارت الخبيرة التربوية فطومة عريبي الى ان هذه الفوارق ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج تداخل معقد بين الظروف المعيشية والاجتماعية التي تضطر بعض الطلاب لترك مقاعد الدراسة والاتجاه نحو سوق العمل او مسارات تعليمية بديلة. وشددت عريبي على ان الاكتفاء بالنظر الى نسب النجاح النهائية في الامتحانات لا يعطي الصورة الكاملة للتحديات، لان المعيار الحقيقي يكمن في عدد الطلاب الذين ينجحون في الوصول الى هذه المرحلة وتجاوز عقباتها.

وتابعت عريبي حديثها مبينة ان نسبة النجاح المسجلة هذا العام تعتبر مفاجئة وايجابية للغاية، خاصة في ظل الشكاوى التي رافقت صعوبة اختبارات المواد العلمية كالفيزياء والرياضيات، والتي كانت توحي بغير ذلك. واضافت ان التحدي الحقيقي الذي يواجه ليبيا اليوم لا يقتصر على من اجتاز الاختبارات بنجاح، بل يمتد ليشمل الاسباب التي تجعل طالبا في مدينة ما يحظى بفرص تعليمية افضل من اقرانه في مناطق اخرى. وبينت ان هذه التباينات تتطلب استراتيجية وطنية شاملة تضمن تكافؤ الفرص التعليمية بغض النظر عن الموقع الجغرافي او الوضع الاقتصادي للأسرة. واكدت ان التعليم يظل الرهان الاول لضمان مستقبل مستقر، مما يستدعي دراسة اسباب التسرب والعمل على معالجتها لضمان عدم ضياع طاقات الشباب في متاهات الظروف المعيشية الصعبة.