يجد بنك اليابان نفسه امام معادلة اقتصادية معقدة للغاية في ظل سعيه الحثيث نحو تطبيع سياسته النقدية، اذ بات البنك المركزي عالقا بين ضرورة رفع اسعار الفائدة لكبح جماح التضخم ودعم العملة المحلية من جهة، وبين الضغوط السياسية المتزايدة التي تفرضها خطط الانفاق الحكومية التوسعية من جهة اخرى.
واضاف مراقبون ان هذه الخطط التي تتبناها الحكومة تدفع عوائد السندات الحكومية نحو الارتفاع بشكل لافت، مما يضع البنك تحت ضغط كبير للتدخل في سوق الدين، وهو ما قد يؤدي في نهاية المطاف الى عرقلة استراتيجية تقليص الميزانية العمومية التي يعمل عليها البنك منذ فترة.
وبينت المعطيات الحالية وجود تناقض جوهري في المسارات الاقتصادية، حيث يحاول البنك المركزي التخلص من ارث التحفيز النقدي الطويل، بينما تصر الحكومة على نهج مالي قد يفاقم من اعباء الدين العام الياباني الذي يعد بالفعل من بين الاثقل في العالم.
تحديات السياسة النقدية وسوق السندات
واكدت بيانات السوق ان عائد السندات الحكومية لاجل عشر سنوات اقترب من مستويات حرجة تتجاوز اثنين فاصلة ثمانية بالمئة، مما يثير مخاوف من موجات بيع واسعة قد ترفع تكاليف الاقتراض على الدولة وتزيد من تعقيد المشهد المالي والسياسي.
وشددت الحكومة اليابانية على اهمية الحفاظ على استقرار الاسواق، حيث اشارت تقارير الى وجود مطالبات من دوائر حكومية بضرورة تدخل البنك المركزي وشراء المزيد من السندات عند الضرورة، وذلك في محاولة للحد من الارتفاع المتسارع في اسعار الفائدة طويلة الاجل.
واوضح خبراء اقتصاديون ان هذه المطالب تثير قلقا متزايدا بشان استقلالية البنك المركزي، خاصة وان الادارة الحالية تبدو اكثر اهتماما بالجانب الكمي للسياسة النقدية بدلا من التركيز على ادوات رفع الفائدة التقليدية التي يفضلها صناع السياسة النقدية.
مخاطر الهيمنة المالية على استقرار الاقتصاد
وكشفت التحليلات ان العودة المكثفة لشراء السندات قد تقوض جهود البنك في تفكيك سنوات من التيسير النقدي، مما يفتح الباب امام مخاطر ما يعرف بالهيمنة المالية، حيث تصبح قرارات المركزي رهينة لاحتياجات تمويل الخزانة العامة بدلا من التركيز على استقرار الاسعار.
واشار مسؤولون سابقون في البنك الى ان الرضوخ للضغوط السياسية بشراء السندات قد يؤدي لنتائج عكسية، تضعف من مصداقية المؤسسة في مكافحة التضخم وتثير شكوك المستثمرين حول قدرة البنك على ادارة السياسة النقدية باستقلالية تامة.
واظهر محضر اجتماعات البنك الاخيرة ان اعضاء مجلس السياسة يدرسون بعناية الحجم النهائي للميزانية، مؤكدين ان التضخم وليس نقص المشتريات هو المحرك الرئيسي لصعود العوائد، في محاولة للدفاع عن استقلاليتهم امام الدعوات السياسية التي تطالب بتغيير المسار.
