تجد البنوك المركزية حول العالم نفسها اليوم امام معضلة حقيقية تتمثل في ان الادوات المستخدمة لحماية الاسواق من الانهيار باتت تشكل تهديدا خفيا لاستقرار النظام المالي العالمي. كشفت التحليلات الاقتصادية الاخيرة ان اجراءات ضخ السيولة التي تهدف الى منع الازمات تساهم بشكل غير مباشر في تراكم الديون وتخفيض تكاليف الاقتراض الحكومي بشكل مصطنع. واظهرت الممارسات الاخيرة ان شبكة الامان التي وضعتها هذه المؤسسات تحولت الى مصدر رئيسي للهشاشة الاقتصادية التي قد تنفجر في اي لحظة.

وبينت المعطيات ان جذور هذه المشكلة تعود الى توسع نطاق عمل البنوك المركزية لتنتقل من دور المقرض الاخير الى صانع السوق الاخير في لحظات الاضطراب. واكدت التقارير ان نجاح هذه السياسات خلق قناعة لدى المستثمرين بان البنوك ستتدخل دائما لضمان استمرار التمويل. واضاف الخبراء ان هذا الاعتقاد قلل من تصورات المخاطر لدى صناديق التحوط التي بدات في بناء مراكز مالية ضخمة تعتمد كليا على الديون الحكومية.

واوضحت البيانات ان حجم حيازات صناديق التحوط من سندات الخزانة الامريكية قفز الى مستويات قياسية تبلغ تريليونات الدولارات مقارنة بما كانت عليه قبل عقد من الزمن. وشدد المحللون على ان استخدام هذه الصناديق لرافعة مالية تصل الى مئة ضعف لتحقيق ارباح من فروق سعرية ضئيلة يضع النظام المالي امام مخاطر جسيمة. واشار المتابعون الى ان توقع السيولة الدائمة في اسواق الريبو يسهل هذه العمليات التي تؤدي في نهاية المطاف الى تضخم غير مبرر في مراكز الاقتراض.

مخاطر الرافعة المالية وتدخلات البنوك

واوضح كبير الاقتصاديين في بنك انجلترا هيو بيل ان الهشاشة المالية تنشا تحديدا من تلك الاليات التي صممت اصلا للحد منها. واضاف اننا نعيش في دائرة مغلقة تبدا بتدخل البنك المركزي ثم زيادة الرافعة المالية وصولا الى نشوء مخاطر جديدة تستدعي تدخلا اكبر. وبينت التجارب في عام 2020 ان انهيار صفقات المراجعة ادى بالضرورة الى تدخلات عاجلة من قبل الاحتياطي الفدرالي لاحتواء الموقف.

وكشفت المؤشرات ان الضغوط التي شهدتها اسواق المقايضة خلال العام الجاري تعيد الى الاذهان سيناريوهات مشابهة لما حدث في فترات سابقة من الاضطراب. واكد الخبراء ان استمرار هذه الممارسات لا يتوقف عند الاستقرار المالي بل يمتد ليؤثر على السياسة النقدية برمتها. واضافوا ان قدرة المستثمرين على شراء السندات بالرافعة المالية تبقي عوائد الدين اقل بكثير من مستوياتها الطبيعية وهو ما يخلق معادلة هشة يستفيد منها الجميع مؤقتا.

وذكرت التحليلات ان انهيار اي مراكز ذات رافعة مالية عالية قد يقلب هذه المعادلة ويجبر السلطات على اتخاذ خطوات اكثر تعقيدا. واشار المراقبون الى ان مشتريات البنوك المركزية الضخمة من السندات في السنوات الماضية نجحت في استعادة السيولة مؤقتا لكنها تركت خلفها تداعيات نقدية عقدت من مهام مواجهة التضخم في فترات لاحقة.

معضلة الانقاذ والمخاطر الاخلاقية

واظهر نموذج بنك انجلترا في عام 2022 كيف يمكن شراء السندات الحكومية بشكل محدود ومؤقت لوقف البيع القسري دون التخلي عن مسار تشديد السياسة النقدية. واضاف المختصون ان هذا النموذج يقترب من المبادئ التقليدية لتوفير السيولة في الازمات مقابل ضمانات جيدة. وبينت التجربة الامريكية خلال ازمة البنوك ان قبول السندات كضمان بقيمتها الاسمية بدلا من السوقية حول برامج الطوارئ الى قنوات تيسير نقدي خفية.

واكدت الدراسات ان التحدي الاكبر يكمن في تصميم ادوات قادرة على الانقاذ دون مكافأة الافراط في المخاطرة. واضاف المحللون ان ترك ازمات السيولة دون تدخل يهدد النظام المالي بينما يؤدي ضمان الانقاذ المسبق الى تعزيز ما يعرف بالمخاطر الاخلاقية. وبينت الرؤى الاقتصادية ان تصميم ادوات فعالة يتطلب توازنا دقيقا بين استعادة الثقة في الاسواق وبين تجنب تحفيز السلوكيات الاستثمارية المتهورة.

وختم الخبراء بان البنوك المركزية باتت عالقة في دائرة يصعب كسرها حيث يقلل الانقاذ من الخوف ويدفع المستثمرين لزيادة الرافعة المالية مما يزيد من هشاشة الاسواق. واكدوا ان نجاح البنك المركزي في اخماد ازمة اليوم يزرع دون قصد بذور الازمة المقبلة التي قد تكون اكثر تعقيدا وقوة.