تشهد الاقتصادات العالمية حالة من الترقب والحذر نتيجة تصاعد ضغوط التضخم التي تضرب دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مسجلة اعلى مستوياتها في سنوات. وتعود هذه الاضطرابات الاقتصادية بشكل رئيسي الى تداعيات النزاعات الجيوسياسية خاصة في منطقة الشرق الاوسط التي ادت الى قفزة في اسعار النفط، بالتزامن مع توسع الحكومات في الانفاق المالي وضخ استثمارات ضخمة في قطاع الذكاء الاصطناعي. وتجد البنوك المركزية الكبرى نفسها امام خيارات صعبة للتحكم في هذه الموجة التضخمية التي باتت تهدد استقرار الاسواق المالية العالمية.
واظهرت التوقعات ان البنوك المركزية في اليابان وكندا وبريطانيا ومنطقة اليورو تتجه نحو تشديد السياسة النقدية ورفع اسعار الفائدة بوتيرة قد تكون اسرع من نظيرتها في الولايات المتحدة خلال الفترة القادمة. وبينت البيانات ان حوالي ثلثي الاسواق العالمية التي تخضع للرقابة تستعد فعليا لرفع تكاليف الاقتراض. واكد محللون ان هذا التحول في السياسات النقدية يهدف بالدرجة الاولى الى كبح جماح التضخم المتزايد الذي لم يعد ممكنا تجاهله في ظل تقلبات اسواق الطاقة.
واضاف خبراء ماليون ان ارتفاع عوائد السندات الحكومية وضع المستثمرين في حيرة من امرهم حيث اصبحت السندات توفر عوائد مغرية بعيدا عن مخاطر الاسهم المتقلبة. واوضحت البيانات ان المتداولين يضعون في حسبانهم زيادات محتملة تصل الى 400 نقطة اساس عبر الاسواق الرئيسية. وشدد المراقبون على ان هذا التوجه يضغط بقوة على الشركات لتعزيز عوائدها لجذب المستثمرين الذين يفضلون حاليا الامان الذي توفره ادوات الدين الحكومية.
ضغوط تضخمية في اسواق اسيا واوروبا
وكشفت تقارير اقتصادية ان اليابان وكوريا الجنوبية تقفان في طليعة الدول التي قد تبدأ قريبا في رفع اسعار الفائدة لمواجهة التضخم المستورد. واشارت التحليلات الى ان كوريا الجنوبية تعاني من اسوأ اداء في سوق السندات الحكومية عالميا بينما تواجه اليابان ضغوطا امريكية لرفع الفائدة على الين الذي لا يزال عند مستويات منخفضة جدا مقارنة بالدولار. واكد مديرون في محافظ استثمارية ان ارتفاع الفائدة يزيد من جاذبية الاحتفاظ بالسيولة النقدية مما يفرض تحديات اضافية على الشركات المدرجة.
وتابعت الاسواق الاوروبية ذات المسار حيث القت تكاليف الطاقة المرتفعة بظلالها على التوقعات الاقتصادية في المانيا وفرنسا وايطاليا. وبينت المؤشرات ان البنك المركزي الاوروبي كان من اوائل المؤسسات التي تبنت نهجا صارما لمواجهة التضخم منذ بداية صدمة الطاقة العالمية. واضاف التقرير ان موجة الانفاق الدفاعي الاوروبي تساهم ايضا في زيادة الضغوط على ميزانيات الدول مما يجعل من رفع الفائدة اداة ضرورية للحفاظ على التوازن المالي.
واكدت بيانات حديثة ان التضخم في الولايات المتحدة بدأ يظهر علامات تباطؤ طفيفة لكن صناع السياسة لا يزالون منقسمين حول توقيت الخطوات القادمة. واوضحت اداة فيد ووتش ان توقعات السوق برفع الفائدة في سبتمبر تراجعت بشكل ملحوظ بعد صدور بيانات اسعار المستهلكين الاخيرة. واضافت مسؤولات في الاحتياطي الفدرالي انه رغم تباطؤ التضخم لشهرين متتاليين الا ان الحاجة الى سياسات نقدية حازمة لا تزال قائمة لضمان استقرار الاسعار على المدى الطويل.
