تواجه فرنسا تحديات مالية معقدة في ظل تصاعد مستمر في حجم الدين العام وسط حالة من ضعف النمو الاقتصادي واتساع فجوة العجز المالي. وتتداخل هذه الازمات مع توترات دولية وارتفاع في تكاليف الطاقة مما يجعل المشهد الاقتصادي اكثر قتامة في ظل ظروف سياسية منقسمة تسبق الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وكشفت بيانات حديثة ان الدين الفرنسي شهد قفزات نوعية منذ عام 2017 حيث تجاوزت الزيادات حاجز التريليون يورو مقارنة بالنسب السابقة من الناتج المحلي الاجمالي. وتظهر التقديرات الرسمية سيناريوهات مقلقة تشير الى احتمالية صعود نسبة الدين من مستوياتها الحالية لتتخطى حاجز 130 بالمئة في المستقبل القريب.
واوضحت التقارير ان الحكومة الفرنسية باتت محاصرة بين خيارات صعبة تتراوح بين تقليص الانفاق العام او اللجوء لزيادة الضرائب وهي قرارات تحمل في طياتها تبعات سياسية واجتماعية ثقيلة في وقت تظل فيه قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو ملموس محدودة للغاية.
نمو متعثر وضغوط تضخمية متصاعدة
وبينت مؤشرات البنك المركزي الفرنسي ان توقعات النمو للاقتصاد المحلي لا تزال متواضعة للغاية ولا ترقى للمستويات المطلوبة لتغطية الالتزامات المتزايدة. وتتفق تقديرات صندوق النقد الدولي مع هذه النظرة القاتمة مشيرة الى ان معدلات النمو ستظل حبيسة نسب مئوية ضئيلة في المدى المنظور.
واضافت المعطيات الصادرة عن المعهد الوطني للاحصاء ان التضخم السنوي سجل ارتفاعات جديدة مما يزيد من الضغوط على القدرة الشرائية للمواطنين وعلى استقرار الاسعار. وشدد خبراء الاقتصاد على ان معالجة هذه الازمة تتطلب استعادة الزخم في النشاط الاقتصادي بدلا من الاعتماد الكلي على التمويل بالدين.
واكد كميل الساري استاذ الاقتصاد بجامعة السوربون ان فرنسا دفعت ثمن سلسلة من الازمات العالمية المتلاحقة بدءا من الجائحة وصولا الى الاضطرابات في اسواق الطاقة العالمية. واشار الى ان كون فرنسا مستوردا صافيا للوقود يجعلها عرضة بشكل مباشر لتقلبات الاسعار الدولية مما يضعف ميزانيتها العامة.
فاتورة الفوائد وتحدي الاصلاح السياسي
واظهرت الحسابات المالية ان كلفة خدمة الدين اصبحت تشكل عبئا ضخما على الموازنة العامة اذ وصلت فوائد الدين الى ارقام قياسية خلال النصف الاول من العام الحالي. واوضحت ان الدولة تحتاج الى توفير مبالغ طائلة سنويا للخروج من عنق الزجاجة المالي وهو ما يضع الحكومة في مواجهة مباشرة مع خيارات اقتصادية غير شعبية.
واضاف الساري ان غياب التوافق داخل البرلمان يعيق تمرير اي اصلاحات هيكلية جذرية قد تسهم في ضبط الانفاق. وبين ان اقتراب المواعيد الانتخابية يجعل الاحزاب السياسية اكثر حذرا في تبني اي سياسات تقشفية قد تؤثر على شعبيتها لدى الناخبين.
واكد ان الاصلاح لا يقتصر على ارقام الموازنة بل يتجاوز ذلك الى ضرورة وجود ارادة سياسية قوية قادرة على تنفيذ رؤية اقتصادية مستدامة. واوضح ان تأجيل هذه القرارات لا يعني حل المشكلة بل يساهم في تراكم الاعباء وتفاقم العجز المالي الذي بات يهدد الاستقرار الاقتصادي للبلاد في السنوات المقبلة.
