يواجه الاقتصاد الصيني تحديات هيكلية متزايدة مع بداية النصف الثاني من العام، حيث كشفت البيانات الرسمية عن تباطؤ ملحوظ في مؤشرات الإنتاج الصناعي ومبيعات التجزئة والاستثمار، مما يعكس حالة من عدم التوازن في ثاني أكبر اقتصاد عالمي. واظهرت المؤشرات الاخيرة ان الصادرات ما تزال تشكل طوق النجاة الوحيد للنمو، في وقت يعاني فيه الطلب المحلي من تراجع حاد يضغط على وتيرة النشاط الاقتصادي العام.
واكدت بيانات المكتب الوطني للاحصاء ان الانتاج الصناعي سجل نموا بنسبة 4.5 في المائة خلال شهر يوليو، وهو معدل اقل من التوقعات ومن الاداء المسجل في الشهر السابق. واوضح خبراء ان هذا التباطؤ لا يعود فقط للعوامل المناخية والاعاصير التي ضربت مناطق صناعية حيوية، بل يمتد ليشمل ضعفا هيكليا في استجابة السوق المحلية للمتغيرات الاقتصادية.
وبين المحللون ان بكين تقف امام خيارات صعبة، حيث يرى البعض ضرورة تسريع الانفاق المالي المعتمد بدلا من انتظار حزم تحفيزية جديدة قد لا تكون فعالة في ظل الظروف الراهنة. واضاف الاقتصاديون ان الانكماش في الاستثمار بالاصول الثابتة يستدعي تدخلات فورية من السلطات لتجنب مزيد من التراجع في الاشهر القادمة.
الاستهلاك المحلي يواجه صعوبات هيكلية
وكشفت ارقام مبيعات التجزئة عن حجم التحدي، حيث ارتفعت بنسبة ضئيلة بلغت 0.6 في المائة فقط، مما يشير إلى ضعف ثقة المستهلكين رغم موسم العطلات. واشار تقرير لمؤسسة سيتي بنك الى ان برامج الدعم الحكومي لاستبدال السلع المعمرة بدأت تفقد زخمها، مع انخفاض ملحوظ في المبيعات اليومية المرتبطة بهذه المبادرات.
واوضح مراقبون ان تراجع مبيعات السيارات للشهر العاشر على التوالي يعكس فجوة كبيرة بين قوة التوسع الخارجي للشركات الصينية وضعف الطلب داخل البلاد. واكد خبراء ان ارتفاع معدلات الادخار الحذر لدى العائلات، بسبب ضبابية المشهد العقاري وسوق العمل، يقلص من فعالية السياسات التحفيزية الموجهة لدعم الاستهلاك.
واضاف المتحدث باسم المكتب الوطني للاحصاء ان الدولة ستعمل على تعزيز التعديلات المضادة للدورة الاقتصادية، في محاولة لاحتواء الضغوط المتزايدة. وشدد محللون على ان بكين تدرك خطورة الوضع، لكنها لا تزال تتوخى الحذر في ضخ سيولة واسعة النطاق لتجنب مخاطر التضخم او اختلال التوازن المالي.
ازمة العقارات وتأثيرها على ثقة الاسر
واظهرت بيانات القطاع العقاري استمرار حالة الركود، حيث انخفضت اسعار المنازل الجديدة على اساس سنوي، مما يلقي بظلاله على ثروة الاسر الصينية التي ترتبط بنسبة كبيرة بالعقار. وبينت الاحصاءات ان محاولات الحكومة تخفيف القيود على شراء المنازل في المدن الكبرى لم تحدث الاثرا المرجو حتى الان في تغيير الاتجاه العام للسوق.
واكد اقتصاديون ان استقرار او تراجع اسعار العقارات في مدن الدرجات الاولى والثانية والثالثة يعد مؤشرا سلبيا على ثقة المستثمرين والمستهلكين على حد سواء. واوضحت البيانات ان مشروعات البناء الجديدة تشهد تراجعا مستمرا منذ بداية العام، مما يقلل من المساهمة الاجمالية لهذا القطاع في النمو الاقتصادي.
واضاف المتابعون ان ارتباط اكثر من نصف ثروة الاسر الصينية بالاصول العقارية يجعل اي تراجع في الاسعار عاملا مباشرا في كبح جماح الانفاق. وشدد تقرير حديث على ان استمرار هذا النزيف العقاري قد يضع الاقتصاد امام عقبات جديدة يصعب تجاوزها بالادوات التقليدية وحدها.
الصادرات كركيزة وحيدة للنمو
وكشفت التجارة الخارجية عن ارقام قوية، حيث حافظت الصادرات على مستويات نمو جيدة رغم التحديات العالمية، مما مكن الصين من تسجيل فوائض تجارية ضخمة. واوضح محللون ان استفادة المصانع الصينية من الطلب العالمي على التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي يوفر دعما حيويا للنشاط الصناعي الذي يواجه ركودا داخليا.
واكد خبراء ان هذا الاعتماد المفرط على الخارج يضع الصين في مواجهة مباشرة مع توترات تجارية متزايدة، خاصة مع توجه الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة لفرض رسوم جمركية جديدة. وبينت التحليلات ان بكين امام معادلة دقيقة تتطلب موازنة بين قوة الصادرات وضرورة تحفيز الطلب الداخلي لتجنب الصدمات الخارجية.
واضاف الخبراء ان السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو مدى قدرة بكين على تحويل فائض الانتاج الى استهلاك داخلي مستدام. وشدد المراقبون على ان الصين ستظل تعتمد على الاسواق الخارجية كمحرك رئيسي للنمو، ما لم تنجح السياسات القادمة في معالجة ازمة العقارات وتنشيط القوة الشرائية للافراد.
