سجلت الولايات المتحدة رقما تاريخيا جديدا في سجلاتها المالية بعد ان تجاوز اجمالي الدين العام حاجز الـ 40 تريليون دولار لاول مرة في التاريخ. واظهرت البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الخزانة الامريكية ان هذا الرقم الضخم يعكس وتيرة متسارعة في الاقتراض الحكومي، حيث تضاعف حجم الدين بشكل لافت مقارنة بما كان عليه قبل عدة سنوات، مما يضع الاقتصاد الامريكي امام تحديات هيكلية جديدة في ظل استمرار الفجوة بين الايرادات والنفقات.

واوضحت التقارير الصادرة عن الوزارة ان هيكل الدين العام يتوزع بين اوراق مالية يحتفظ بها الجمهور من مستثمرين ومؤسسات مالية وجهات اجنبية، وبين حيازات حكومية داخلية تشمل صناديق الضمان الاجتماعي والبرامج الفيدرالية. وبين المحللون ان الدين العام للجمهور يعد المقياس الاكثر دقة لقياس عبء الاقتراض على الاقتصاد، مشيرين الى ان هذا التراكم يعود الى تمويل العجوزات السنوية المتتالية للوفاء بالتزامات الدولة المختلفة.

واكد الخبراء ان هناك فرقا جوهريا بين العجز السنوي والدين العام، حيث يمثل العجز الفارق بين ما تنفقه الحكومة وما تجنيه خلال سنة مالية واحدة، بينما يعد الدين المحصلة النهائية لتراكم هذه العجوزات عبر الزمن. واضاف المختصون ان الانفاق الحكومي استمر في تجاوز الايرادات بشكل ملحوظ، مما دفع الادارات المتعاقبة الى اللجوء للاقتراض لتغطية المصروفات التشغيلية وبرامج الرعاية الاجتماعية.

تسارع وتيرة الاقتراض عبر الادارات

وكشفت الارقام ان حجم الدين شهد قفزات كبيرة خلال الفترات الرئاسية الاخيرة، حيث تأثرت الميزانية بشكل مباشر بالانفاق الضخم الذي فرضته الازمات العالمية، وعلى رأسها جائحة كورونا التي تطلبت حزم تحفيز مالي واسعة. واشار المراقبون الى ان عجز الموازنة بلغ مستويات قياسية خلال تلك الفترة، مما ساهم في رفع سقف الدين العام الى مستويات لم تشهدها الخزانة الامريكية من قبل.

واضاف التقرير ان السياسات المالية المتبعة حاليا لا تزال تواجه ضغوطا كبيرة، حيث قدر مكتب الميزانية عجز الموازنة بمبالغ ضخمة خلال الاشهر العشرة الاولى من السنة المالية الحالية. وشدد المسؤولون على ان النفقات الحكومية ما زالت تفوق الايرادات بشكل كبير، وهو ما يفرض على الحكومة الاستمرار في اصدار السندات لتمويل انشطتها اليومية.

وبينت البيانات المالية ان حصيلة ضريبة دخل الشركات شهدت تراجعا ملحوظا، وهو ما ارجعه المحللون الى التعديلات الضريبية والخصومات التي سمحت بها القوانين الاخيرة لتشجيع الاستثمار. واكدت التقارير ان هذه التخفيضات رغم اهدافها الاقتصادية، ساهمت بشكل مباشر في اتساع الفجوة المالية التي تضطر الحكومة لتعويضها عبر المزيد من الاقتراض.

عبء الفائدة وتوقعات المستقبل

واظهرت الاحصاءات ان فاتورة الفائدة على الدين العام اصبحت تشكل عبئا متزايدا على الموازنة، حيث تجاوزت في قيمتها الانفاق العسكري السنوي للولايات المتحدة. واوضح الاقتصاديون ان ارتفاع اسعار الفائدة طويلة الاجل بالتزامن مع تضخم حجم الدين ادى الى قفزة كبيرة في تكاليف خدمة هذا الدين، مما يقلص من المرونة المالية للحكومة في توجيه الاموال نحو قطاعات حيوية اخرى.

واضافت التقارير ان الانفاق على برامج الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي يواصل الارتفاع نتيجة زيادة عدد المستفيدين وتكاليف الخدمات الطبية. وشدد مكتب محاسبة الحكومة على ان المسار المالي الحالي غير مستدام، محذرا من ان الفائدة اصبحت البند الاسرع نموا في الموازنة، مما يستدعي اتخاذ قرارات صعبة واصلاحات هيكلية لضبط المالية العامة.

وختاما، توقعت الجهات الرقابية ان يواصل الدين العام صعوده كنسبة من الناتج المحلي الاجمالي خلال العقد القادم، مما يضع ضغوطا مضاعفة على صانعي السياسات. واكد الخبراء ان تأجيل معالجة هذا الاختلال بين الايرادات والإنفاق لن يؤدي الا الى جعل الحلول المستقبلية اكثر تكلفة واشد وطأة على الاقتصاد الامريكي بشكل عام.