لم تعد تداعيات التوترات في الممرات المائية تقتصر على امدادات الطاقة والنفط فحسب بل امتدت لتطال سلعة حيوية تدخل في صلب الامن الغذائي والصناعات المعدنية وهي الكبريت. واظهرت البيانات الاخيرة ان الحبيبات الصفراء تحولت من مجرد مادة خام الى عنصر ضغط يهدد استقرار حقول القمح ومناجم النحاس وسلاسل تصنيع بطاريات السيارات الكهربائية. وكشفت التقارير ان دول الخليج كانت تساهم بنحو ربع الانتاج العالمي وتستحوذ على نصف تجارة الكبريت المنقولة بحرا قبل ان تؤدي الاضطرابات الى تراجع حاد في تدفق الشحنات عبر مضيق هرمز بنسبة اقتربت من 98 بالمئة.

واكد الخبراء ان هذا النقص الحاد في الامدادات انعكس بشكل مباشر على الاسعار العالمية للكبريت التي سجلت قفزات تاريخية. واوضح المختصون ان شركات الطاقة في قطر والامارات رفعت اسعار الطن بنسب تراوحت بين 71 و89 بالمئة لمواجهة ضغوط السوق. واضافت المؤشرات الاقتصادية ان هذا الارتفاع لم يتوقف عند حدود الخليج بل امتد الى البرازيل التي شهدت زيادة في تكلفة الطن بنسبة وصلت الى 129 بالمئة مما وضع قطاع الزراعة العالمي امام تحديات وجودية.

وبينت التحليلات ان قطاع الاسمدة يستهلك نحو 60 بالمئة من الانتاج العالمي للكبريت ويدخل في انتاج الفوسفات الضروري لنمو المحاصيل. وشدد المراقبون على ان تعطل حركة الكبريت يضغط على تكاليف الانتاج الزراعي مما يعني بالضرورة ارتفاع اسعار الغذاء على المستهلك النهائي. واظهرت ارقام الشركات الكبرى مثل او سي بي المغربية وموزاييك البرازيلية ونوتريان الكندية تراجعا في الانتاج والارباح نتيجة عجزها عن تأمين احتياجاتها من الكبريت باسعار معقولة.

من الاسمدة الى المعادن الاستراتيجية

واوضحت الدراسات الصناعية ان ازمة الكبريت لم تعد محصورة في المزارع بل امتدت لتضرب قطاع التعدين العالمي. وكشفت الارقام ان نحو خمس انتاج النحاس المكرر يعتمد بشكل كلي على حمض الكبريتيك في عمليات الاستخلاص. واضافت شركة ماكواري ان تكلفة انتاج طن النيكل في اندونيسيا ارتفعت بنحو 4 الاف دولار بسبب نقص هذه المادة الحيوية مما يهدد سلاسل توريد المعادن المطلوبة لصناعة التكنولوجيا الحديثة.

واكدت البيانات الصادرة عن هيئة المسح الجيولوجي ان الانتاج العالمي للكبريت وصل الى 84 مليون طن وتتصدر الصين والولايات المتحدة وروسيا قائمة الدول المنتجة. وبينت التقارير ان السعودية والامارات وقطر تحتل مراكز متقدمة في قائمة المنتجين الكبار مما يجعل من المنطقة مركزا استراتيجيا يتحكم في تدفقات هذه المادة. واوضحت النتائج ان استمرار اضطراب الملاحة في هرمز سيظل يلقي بظلاله القاتمة على اسعار الغذاء العالمية ومستقبل الصناعات المعدنية لسنوات قادمة.

تأثيرات ممتدة على الصناعات الحديثة

وكشفت التحليلات ان الاعتماد المتبادل بين دول الخليج والمصانع العالمية يضع العالم امام معادلة صعبة. واضاف الخبراء ان البحث عن بدائل للكبريت الخليجي لا يزال مكلفا ومعقدا تقنيا بالنسبة للعديد من الشركات. وبينت الوقائع ان تذبذب الامدادات في المضيق الحيوى يمثل تهديدا مباشرا للتحول نحو الطاقة النظيفة وصناعة السيارات الكهربائية التي تعتمد على معادن يستخرج الكبريت جزءا كبيرا منها.