تعرضت السندات الحكومية الامريكية طويلة الاجل لموجة بيع مكثفة خلال تعاملات اليوم، مما ادى الى تبخر معظم المكاسب التي سجلتها عقب اعلان وزارة الخزانة عن خطة لمضاعفة عمليات اعادة شراء الديون. واظهرت هذه التطورات ان التدخل الحكومي لم ينجح في تبديد مخاوف المستثمرين المتزايدة بشأن التضخم المرتفع وتفاقم الدين العام. واوضحت البيانات ان عائد سندات الخزانة لاجل 30 عاما عاود الارتفاع ليصل الى مستويات قياسية جديدة، مما يؤكد استمرار حالة عدم اليقين في الاسواق المالية.
واضاف محللون ان توجه الخزانة لمضاعفة عمليات اعادة شراء السندات التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عاما، لترتفع الى 4 مليارات دولار، لم يقدم العلاج الجذري للازمة. وبين مدير المحافظ في شركة توينتي فور اسيت مانجمنت ان هذه الخطوات لا تعدو كونها حلا مؤقتا لا يعالج الاسباب الهيكلية للضغوط التي تعاني منها سوق السندات. وشدد على ان السوق بحاجة الى رؤية اقتصادية اكثر شمولا تتجاوز مجرد التدخلات المحدودة.
واكد خبراء اقتصاديون ان تجدد عمليات البيع يعكس قلقا عميقا لدى المستثمرين تجاه قدرة صناع السياسات على السيطرة على العجز المالي المتزايد. واشاروا الى ان حجم عمليات اعادة الشراء يبدو محدودا جدا عند مقارنته بحجم سوق الدين الامريكي الضخم. واوضحوا ان هذا الاجراء قد يحسن السيولة بشكل لحظي لكنه يعجز عن تغيير مسار العوائد التي يطلبها المستثمرون مقابل الاحتفاظ بالديون الحكومية.
مخاوف مستمرة من العجز والدين
وبينت تقارير حديثة ان الدين الامريكي وصل الى مستويات قياسية بلغت 40 تريليون دولار، وسط عجز مالي يمثل 6% من الناتج المحلي الاجمالي. واوضح كبير الاقتصاديين في شركة ار اس ام يو اس ان التاثير الايجابي لاي تدخل حكومي سيظل محدودا ما لم يتم اتخاذ قرارات صعبة بشان ضبط المالية العامة. واشار الى ان زيادة الضرائب او خفض الانفاق الحكومي اصبحت ضرورة حتمية لاستعادة ثقة الاسواق.
واضاف خبراء في مجموعة ام يو اف جي ان الاعلان غير المخطط له من قبل الخزانة ترك انطباعا سلبيا لدى المستثمرين حول غياب الاستراتيجية الواضحة. وحذروا من ان هذه الخطوات قد تؤدي الى نتائج عكسية اذا استمرت السوق في النظر اليها كاجراءات ترقيعية. واكدوا ان المستثمرين يركزون بشكل اساسي على العوامل الجوهرية مثل التضخم وحجم الاصدارات الحكومية.
وبينت بيانات السوق ان ضغوط الاقتراض لم تقتصر على الحكومة، بل امتدت لتشمل شركات التكنولوجيا التي تقترض مبالغ ضخمة لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي. واوضح محللون ان هذا التوسع في الاقتراض يزيد من المعروض من السندات، مما يدفع المستثمرين الى المطالبة بعوائد اعلى لتعويض المخاطر. وشددوا على ان التنافس على السيولة بين القطاعين العام والخاص يرفع من تكلفة الاقتراض بشكل عام.
تراجع الدولار وتذبذب الاسواق
وكشفت حركة العملات عن تأثر الدولار الامريكي بهذه الاضطرابات، حيث سجل مؤشر العملة تراجعا ملحوظا مقابل سلة من العملات الرئيسية. واوضح رئيس استراتيجية العملات في بنك سوسيتيه جنرال ان استمرار ارتفاع الدين الى مستويات تعادل 100% من الناتج المحلي يجعل المستثمرين الاجانب اكثر حذرا. وبين ان الولايات المتحدة تواجه الان خيارات صعبة تتراوح بين تشديد السياسة المالية او قبول تكاليف اقتراض مرتفعة او السماح بضعف الدولار.
واظهرت مؤشرات الاسهم الامريكية تراجعا واضحا خلال التعاملات، متأثرة بنتائج اعمال الشركات والارتباط الوثيق بين تكاليف التمويل وتقييمات الاصول. واوضح مراقبون ان السوق اصبح اكثر حساسية لاي تحرك في عوائد السندات، خاصة مع استمرار التوترات الجيوسياسية التي ترفع اسعار الطاقة وتزيد من مخاوف بقاء التضخم عند مستويات مرتفعة. واضافوا ان غياب الحلول الجذرية سيجعل الاسواق في حالة ترقب دائم.
وختاما، فان استمرار عودة العوائد للارتفاع بعد يوم واحد من تدخل الخزانة يثبت ان السوق لا يزال يمنح الاولوية للعوامل الاقتصادية الكلية. واكد محللون ان اي محاولة لتهدئة الاوضاع دون معالجة اصل المشكلة المتمثلة في العجز المالي ستبوء بالفشل. واشاروا الى ان المستثمرين يبحثون عن مسارات مستدامة تضمن استقرار الاقتصاد الامريكي على المدى الطويل.
