استهل الدكتور أسعد عبد الرحمن الأمسية بكلمة ترحيبية، واصفاً الضيفة المحاضِرة بأنها شخصية استثنائية، ابنة عائلة فلسطينية أعتز بصداقتها، ونتاج عائلة عريقة في العلم والأدب؛ فهي ابنة العلامة حسن الكرمي، وعمها الشاعر الكبير أبا سلمى، وشقيقتها سهام الكرمي الرائدة الإعلامية المتميزة، وغير ذلك كثير. وقال: "الدكتورة غادة الكرمي، بالنسبة لي حقيقة، بالإضافة إلى كل ما تقدم، غصن في شجرة علم وفكر وعطاء". وأشار إلى أن الحديث عن التحولات في العالم الغربي تجاه القضية الفلسطينية يحمل الكثير من الجدل، فهناك من يعتبره إنجازاً كبيراً، وهناك من يرى أنه جاء متأخراً. لكنه أعرب عن أمله في أن يخرج الحضور بنتيجة من نتائج لقاء هذه الليلة الفكري السياسي الوطني.
بدأت الدكتورة غادة الكرمي لقاء هذه الليلة الذي حمل عنوان: "في العالم الغربي، التحولات ومعانيها تجاه القضية الفلسطينية" بشهادتها كفلسطينية من جيل 1948، مؤكدة أنها لم تشهد في كل سنوات عملها الإعلامي والسياسي في الغرب حدثاً بهذا الحجم وهذا الاستمرار من التضامن الشعبي مع القضية الفلسطينية. وقالت إن السبب واضح ومباشر، وهو ما وقع في قطاع غزة، حيث كشفت الحرب عن الوجه الحقيقي للمستعمرين والمستغلين، وأعادت تشكيل الوعي الجمعي في الغرب. وأوضحت أن التحول الذي تشهده الساحات الغربية اليوم ليس مجرد موضة عابرة، بل هو زلزال حقيقي في الوعي الجمعي، بدأ مع الحرب على قطاع غزة واستمر مع تنامي حركات التضامن.
استعرضت الكرمي المشهد في بريطانيا، حيث تعيش وتعمل، مشيرة إلى أن المظاهرات التي انطلقت منذ أكتوبر 2023 وحتى اليوم تشهد مشاركة مئات الآلاف من الناس أسبوعياً، وهو أمر لم تشهده بريطانيا من قبل، مما يعكس تحولاً حقيقياً في وعي الجمهور البريطاني تجاه القضية الفلسطينية. وأكدت أن الاستمرار في التظاهر بهذا الحجم دليل على تغير نوعي في الموقف الشعبي، يتجاوز أي احتجاجات سابقة من حيث الحجم والاستمرارية.
انتقلت الكرمي إلى المشهد الأميركي، ورصدت تغيرات نوعية في ثلاث فئات رئيسية. أولاً، الجانب اليهودي في أمريكا، حيث بدأت أوساط يهودية تبتعد عن الدعم المطلق لإسرائيل، وهو ما اعتبرته تغيراً عجيباً، خاصة أن نيويورك تُعد مركزاً يهودياً وإسرائيلياً بارزاً. ثانياً، الشباب الأميركي في العشرينات وأقل من 25 عاماً، الذين أظهروا تضامناً واسعاً مع فلسطين بشكل غير مسبوق. ثالثاً، المستقلون، حيث بدأت تظهر أصوات تطالب بوقف دعم السلاح لإسرائيل. وأكدت الكرمي أن استطلاعات الرأي أظهرت أن 41% من الأميركيين يميلون لدعم فلسطين مقابل 36% لإسرائيل، وهو فارق غير كبير لكنه في السياق الأميركي يعد تغيراً حقيقياً وملموساً.
فرّقت الكرمي بين ما يحدث في الشارع الغربي وبين الموقف الرسمي للحكومات، مشيرة إلى أن الوضع الرسمي سيء جداً في بلدان الغرب، حيث كل المؤسسات السياسية والتربوية والمالية مع إسرائيل. واستشهدت بحركة "فلسطين أكشن" Palestine Action، التي تأسست بهدف إعلامي لتوعية الجمهور والسياسيين البريطانيين بالقضية الفلسطينية. وأوضحت أن نشطاء هذه الحركة يستهدفون مصانع الأسلحة المرتبطة بإسرائيل في بريطانيا، ويقتحمونها ويتسببون بأضرار، لكن الحكومة تصنّف هذه الأفعال بأنها غير قانونية وتعتبر من يدعمها أو يتحدث عنها إرهابياً. وأشارت إلى أن هذا التجريم للموقف الشعبي يعكس الفجوة العميقة بين الإرادة الشعبية والإرادة الرسمية في الغرب.
توقفت الكرمي عند قضية تحويل التضامن مع فلسطين إلى تهمة إرهاب، مشيرة إلى مثال الناشط اليهودي المناهض لإسرائيل، الذي يُحاكم حالياً في لندن بتهمة الإرهاب لمجرد نشره محتوى ضد إسرائيل. وقالت إن إسرائيل نجحت في خلق ربط بين دعم القضية الفلسطينية والإرهاب، بحيث أصبح التضامن مع الفلسطينيين يعني التضامن مع الإرهاب، لأن القضية الفلسطينية صودرت ونجحوا في ذلك. وأضافت أن مفهوم المقاومة الفلسطينية أصبح مرتبطاً بالإرهاب في الخطاب الغربي، وهو ما يشكل عقبة كبيرة أمام أي محاولة لتقديم رواية مغايرة للرأي العام الغربي.
وفي سياق تحليلها للتحولات الغربية، تناولت الكرمي مسألة "عقدة الذنب الغربية"، موضحة كيف حوّلت أوروبا جريمة المحرقة التي لم يرتكبها الفلسطينيون إلى دعم مطلق للمشروع الصهيوني، وجعلت الفلسطينيين يدفعون الثمن الأغلى. وأكدت أن هذا الميراث الثقيل ما زال يتحكم بضمير الغرب ويُعمي بصيرته، فلا يرى ما تفعله إسرائيل اليوم من إبادة وتطهير عرقي، ويكتفي بإطلاق بعض التصريحات الرمضانية عن حقوق الفلسطينيين دون أفعال. وقالت إن هذا التناقض هو ما يجعل الموقف الغربي الرسمي متصلباً رغم التحول الشعبي الواسع.
أما فيما يتعلق بالإعلام، فأشارت الكرمي إلى أن وسائل الإعلام الغربية التقليدية لا تزال تعرقل وتخنق الرواية الفلسطينية، إلا أن وسائل التواصل الاجتماعي نجحت في كسر هذا الاحتكار وإيصال الحقيقة للشعوب. وأوضحت أن الناس أصبحت تشاهد المشاهد بأعينها، وتسمع الأطفال وهم يصرخون، والدماء وهي تسيل، وهذا ما غير قلوب الملايين في الغرب. وقالت إن الكلمة الشعبية أصبحت أكثر عناداً من جدران الرقابة، بفضل قوة وسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت المعلومة تنتشر بسرعة تفوق قدرة المؤسسات الإعلامية التقليدية على احتوائها.
وفي معرض ردها على أسئلة الحضور حول مستقبل الحل السياسي، أشارت الكرمي إلى أن "حل الدولتين" الذي تروّج له الحكومات الغربية أصبح مجرد غطاء لتأكيد الاستيطان وتطبيع الاحتلال، معتبرة أن هذا الخيار ميت ووهمي، وتستخدمه الدول الغربية لمنح إسرائيل الوقت لقضم المزيد من الأراضي. ورأت أن البديل الوحيد القابل للحياة هو الدولة الديمقراطية العلمانية الواحدة على كامل الأرض التاريخية، التي تضمن تفكيك النظام العنصري وحق العودة للاجئين. لكنها لم تسهب في هذا الجانب، مكتفية بالرد على أسئلة الحضور في هذا الصدد، مؤكدة أن الحل السياسي يجب أن ينبع من إرادة الشعب الفلسطيني وليس من أجندات القوى الكبرى.
في ختام النقاش الواسع الذي أعقب المحاضرة، تحدثت الكرمي عن الفرصة الذهبية التي منحتها الحرب للعالم العربي، وخاصة دول الخليج، للتخلص من العلاقة غير الفاعلة مع الولايات المتحدة، معتبرة أن أمريكا أصبحت ضعيفة، وأن العرب ما زالوا في موقع التبعية. وأسفت لأن العرب لم يستغلوا هذه النافذة المتاحة، مما ضيّع فرصة تاريخية للتغيير. وقالت إنه لو اجتمعت الدول العربية واتخذت موقفاً موحداً، لكانت النتيجة أفضل بكثير مما هي عليه الآن. وأكدت أن الفرصة ما زالت قائمة، لكن الوقت يمر، والقضية تنتظر من يعيدها إلى الواجهة بحكمة وشجاعة.
وفي ختام الأمسية، قدّم الدكتور أسعد عبد الرحمن درعاً تكريمياً للدكتورة غادة الكرمي، تقديراً لمسيرتها النضالية والفكرية، واعترافاً بدورها البارز في إيصال الصوت الفلسطيني إلى المنابر الدولية، وسط حضور حاشد من المثقفين والإعلاميين والفاعلين السياسيين الذين تفاعلوا مع المحاضرة بحوار ثري وجاد، عكس اهتماماً عميقاً بالقضية الفلسطينية واستعداداً لمناقشة أفكار جديدة تتجاوز المألوف في الخطاب السياسي السائد.
غادة الكرمي من "منتدى العصرية": الغرب الشعبي تضامن مع قطاع غزة.. وأغلبية الحكومات تخلفت
