سجل الدين الوطني الاميركي رقما قياسيا تاريخيا بتجاوزه حاجز ال 40 تريليون دولار للمرة الاولى، وهو تطور يعكس تسارعا لافتا في وتيرة الاقتراض الحكومي لتغطية التكاليف المتصاعدة للانفاق الدفاعي والبرامج الاجتماعية وخدمة الديون المتراكمة، وسط مخاوف جدية من تداعيات هذا المسار على استقرار الاقتصاد الوطني ومستقبل الاجيال القادمة.

واظهرت البيانات الرسمية ان هذا المستوى جاء بعد فترة وجيزة من تخطي عتبة ال 39 تريليون دولار في مارس الماضي، مما يشير الى سرعة تراكم الالتزامات المالية في ظل اولويات انفاق متضاربة تواجهها الادارة الاميركية الحالية، حيث تحاول الموازنة بين متطلبات الدفاع والوعود بخفض تكاليف المعيشة للمواطنين.

وبين المتحدث باسم البيت الابيض كوش ديساي ان الادارة تركز جهودها حاليا على تقليص الهدر المالي ومحاربة الاحتيال في الاموال الفيدرالية، مع العمل في الوقت ذاته على تحفيز النمو الاقتصادي لضمان وضع نسبة الدين الى الناتج المحلي الاجمالي على مسار هبوطي مستدام.

انعكاسات الازمة على جيوب المواطنين

واكد خبراء ماليون ان تضخم الدين لم يعد مجرد رقم في دفاتر الخزينة، بل اصبح عاملا مؤثرا بشكل مباشر على تكاليف الحياة اليومية والتمويل الشخصي، حيث يؤدي ارتفاع الاقتراض الحكومي الى ضغوط اضافية على اسعار الفائدة في الاسواق.

واوضح المحللون ان هذه الضغوط ترفع تكاليف قروض الرهن العقاري وتمويل السيارات، بينما تساهم في تقييد قدرة الشركات على الاستثمار وتوسيع اعمالها، وهو ما قد يؤدي في نهاية المطاف الى تباطؤ نمو الاجور وزيادة اعباء الخدمات والسلع الاساسية على كاهل المستهلك الاميركي.

واضاف مايكل بيترسون الرئيس التنفيذي لمؤسسة بيتر جي بيترسون ان الوقت اصبح مناسبا امام المشرعين لاتخاذ خطوات حاسمة لوضع المالية العامة على مسار اكثر استدامة وقدرة على تحمل الاعباء، بما يضمن تحسين مستويات المعيشة للاجيال الحالية والقادمة.

تراكم الازمات عبر الادارات المتعاقبة

وذكرت التقارير ان الدين تراكم عبر سنوات طويلة من الانفاق الذي تجاوز الايرادات الضريبية، حيث لعبت جائحة كورونا دورا محوريا في قفزات الدين نتيجة عمليات الدعم الحكومي الكثيفة التي اقرتها الادارات السابقة واللاحقة لتحقيق التعافي الاقتصادي.

وكشفت مارغريت سبيلينغز الرئيسة التنفيذية لمركز السياسات الثنائية ان مسار الدين الحالي يفتقر الى الاستدامة، محذرة من ان اي صدمات اقتصادية جديدة او اضطرابات عالمية قد تحول هذا التحدي المالي الى ازمة شاملة يصعب السيطرة عليها في المستقبل.

وشددت الاوساط الاقتصادية على ان استمرار الاقتراض سيجبر الحكومة مستقبلا على القيام بمفاضلات صعبة للغاية بين بنود الانفاق، مما يقلص مساحة المناورة المتاحة امام صناع القرار للتعامل مع الازمات الطارئة.

اختبار سقف الدين القادم

واشارت التوقعات الصادرة عن مراكز الابحاث الى ان الولايات المتحدة قد تصطدم بسقف الاقتراض القانوني البالغ 41.1 تريليون دولار في غضون العامين المقبلين، مما سيضع الكونغرس امام اختبار جديد يتطلب تصويتا صعبا لرفع السقف او تعليقه.

واوضحت التحليلات ان حساسية الاسواق تجاه حجم الاصدارات الحكومية وعوائد السندات طويلة الاجل تزداد يوما بعد يوم، مما يجعل من تجاوز حاجز ال 40 تريليون دولار مؤشرا على ضيق الخيارات المتاحة للسياسة المالية الاميركية في مرحلة تتسم بعدم اليقين.

واختتم الخبراء بالقول ان المرحلة المقبلة تتطلب معالجة جذرية للهيكل المالي، بعيدا عن الحلول المؤقتة، لضمان عدم تحول الدين العام الى عبء يعيق النمو الاقتصادي ويقلل من القوة الشرائية للدولار في الاسواق العالمية.