تستقبل فاطمة خليفة المعروفة بسيدة القناطر زوارها في حديقتها الغناء بقلب الجنوب اللبناني وسط رائحة القهوة والياسمين التي تفوح من بين أشجار الليمون والبرتقال. وتجسد فاطمة في تفاصيل يومها البسيط علاقة وجدانية عميقة تربط أهل المنطقة بأرضهم حيث لا تكتمل الحكاية الا بالاشارة الى شجرة زيتون معمرة أو قنطرة حجرية قديمة شاهدة على تعاقب الأجيال. واعتبرت فاطمة أن الجنوب ليس مجرد رقعة جغرافية للعيش بل هو الروح والانتماء والوطن الصغير الذي يختزل في ترابه ذكريات الطفولة والشباب.

سر التعلق بارض الجنوب

وبينت فاطمة أن من يشم رائحة الأرض ويتذوق خيراتها ويسير بين بساتينها يدرك تماما سر هذا التعلق الذي لا ينفصم. واضافت أن الشجرة التي غرسها الأجداد تتحول مع مرور الزمن الى فرد من العائلة يرتبط به الإنسان برباط مقدس لا يمكن تجاوزه. واكدت أن الذاكرة الجمعية لأبناء الجنوب تتشكل من هذه التفاصيل الصغيرة التي تجعل من الطريق الى البيت ومن بساتين الزيتون جزءا لا يتجزأ من ملامحهم الشخصية.

الارض التي لا تغادر ذاكرة اهلها

وشددت على أن سنوات التهجير المتكررة تحت وطأة الحروب والنزوح لم تنجح يوما في قطع الصلة بالمكان رغم قسوة الرحيل. واوضحت أن أهل الجنوب كانوا دائما يغادرون بيوتهم حاملين يقينا راسخا بالعودة ليزرعوا ويعمروا ما دمره القصف وكأنهم يستعيدون جزءا من أرواحهم. واشارت الى أن العودة بالنسبة اليهم ليست مجرد نهاية للنزوح بل هي استعادة لهوية انقطعت قسرا لكنها بقيت حية في الوجدان.

جغرافيا الجمال والاستراتيجية

وبين الخبير العسكري حسن جوني أن طبيعة الجنوب الممتدة من الساحل الى التلال والمرتفعات منحت المنطقة أهمية مزدوجة جمالية وعسكرية. واضاف أن التضاريس المتنوعة من وديان وسهول جعلت من الجنوب ساحة للصراع على مدى عقود حيث تتحول التلال المشرفة الى نقاط رصد ومراقبة حيوية. واكد أن قلعة الشقيف وغيرها من المواقع التاريخية تبرز هذه المفارقة بين كونها تراثا حضاريا وكونها نقاطا ذات قيمة استراتيجية في حسابات الحرب.

ما وراء دخان الحروب

وكشفت المعايشة اليومية أن حياة الجنوبيين تستمر رغم كل صور الدمار التي تصدرها وسائل الاعلام. واوضحت أن خلف دخان الحروب توجد صباحات هادئة ومواسم قطاف تجمع العائلات وأطفالا يكبرون وهم يحفظون أسماء حقولهم وأشجارهم. واكدت أن الجنوب يبقى في نظر أبنائه أكثر من مجرد موقع استراتيجي على الحدود فهو قصة عشق لا تنتهي بين الانسان وترابه.