شكلت واقعة اقتحام احدى المودعات لمصرف في بيروت للمطالبة بمدخراتها لعلاج شقيقتها رمزا صارخا لحالة الغضب العارم التي تسيطر على اللبنانيين، حيث وجد المودعون انفسهم فجأة امام حقيقة مرة وهي تبخر اموالهم التي ظلت مجرد ارقام وهمية في حساباتهم البنكية، وكشفت هذه الحادثة عن تداعي هيكل مالي بني على مدار ثلاثة عقود من السياسات النقدية غير المستدامة.
واظهرت التحليلات ان جذور هذه الكارثة تعود الى عام 1993 عندما تولى رياض سلامة ادارة مصرف لبنان، حيث اعتمد النموذج المالي حينها على استقطاب ودائع المغتربين والاموال الخارجية عبر اسعار فائدة مغرية، وربط سعر صرف الليرة بالدولار في محاولة لخلق حالة من الاستقرار المالي الوهمي الذي استنزف السيولة الوطنية لاحقا.
واكد الخبراء ان هذا النظام اعتمد بشكل كلي على جذب تدفقات جديدة لسداد التزامات قديمة، مما حول المصارف الى ادوات لتمويل عجز الدولة بدلا من دورها التنموي الطبيعي، وبدا واضحا ان الهشاشة كانت متأصلة في قلب هذا النموذج الذي انهار فور تراجع حركة الاموال الوافدة الى البلاد.
الهندسة المالية.. تأجيل الانفجار الكبير
وبينت الوقائع ان مصرف لبنان لجأ عام 2016 الى ما سمي بـ الهندسة المالية في محاولة يائسة لتعزيز الاحتياطيات النقدية، ورغم نجاح هذه العمليات مؤقتا في رفع ارقام الاحتياطي، الا انها عمقت الفجوة المالية وزادت من انكشاف القطاع المصرفي على الدولة، مما حول اموال المودعين الى رهينة لسياسات الترقيع بدلا من الاصلاح الجذري.
واوضحت المعطيات المالية ان هذه الهندسات لم تعالج الاختلالات الهيكلية بل اجلت الانفجار المحتوم، حيث اصبحت السيولة المتاحة مرتبطة بشكل وثيق بمصرف لبنان والحكومة، مما جعل خروج الاموال في وقت الازمات امرا مستحيلا مع غياب الغطاء النقدي الفعلي لتلك الالتزامات الضخمة.
واضاف المراقبون ان النظام المصرفي فقد قدرته على الاستمرار مع اتساع الفجوة بين الالتزامات والاصول الحقيقية، مما ادى الى تآكل الثقة ووصول القطاع الى طريق مسدود، حيث لم يعد هناك مفر من اعلان التعثر الذي طال انتظاره.
الدولار والتحولات الاقليمية
وكشفت التطورات الاقليمية بعد عام 2011 ان لبنان تحول الى قناة لتمرير الدولار والسلع الى سوريا في ظل العقوبات الدولية، وساهمت شبكات مرتبطة بقوى سياسية نافذة في سحب السيولة من السوق اللبنانية، مما ضغط على احتياطيات مصرف لبنان وساهم في تسريع وتيرة الانهيار المالي.
واكدت التقارير ان ضغوطا مورست لضخ الدولار في السوق بهدف توفير سيولة كانت تتحول لاحقا الى خارج الحدود، ومع حلول عام 2019 بدأت منابع الدولار تجف تماما، مما افقد لبنان قدرته على تغطية التزاماته والوفاء بحقوق المودعين الذين بدأوا يواجهون قيودا قاسية على سحوباتهم.
وبينت الاحداث ان تلك القيود التي فرضت دون اطار قانوني واضح حولت المودعين الى ضحايا لنظام مالي منهار، حيث تلاشت قيمة مدخراتهم مع انهيار سعر صرف الليرة وتعدد اسعار الصرف التي مزقت القوة الشرائية للمواطنين.
تآكل الدولة وانهيار الثقة
واضافت الاحداث ان حكومة حسان دياب ورثت تركة ثقيلة عام 2020، حيث اعلنت الدولة تعثرها عن سداد سندات اليوروبوند لاول مرة في تاريخها، مما وجه ضربة قاضية لسمعة لبنان المالية واغلق ابواب الاقتراض الخارجي امام البلاد.
واكدت الخطة المالية التي طرحتها شركة لازارد في ذلك الوقت ضرورة اعادة هيكلة القطاع، الا ان الخلافات السياسية حول توزيع الخسائر بين الدولة والمصرف المركزي والمودعين حالت دون تنفيذ اي خطوات انقاذية، مما ابقى الاموال معلقة في دوامة من التجاذبات القانونية والسياسية.
وتابعت الازمة مسارها التنازلي مع استمرار تآكل ما تبقى من اصول، حيث وجد المودعون انفسهم في مواجهة مباشرة مع المصارف، مما دفع الكثيرين منهم الى اقتحام الفروع لاسترداد جزء من حقوقهم المنهوبة في مشهد يعبر عن انهيار العقد الاجتماعي والمالي.
نهاية الحقبة القضائية والازمة المستمرة
وكشفت التطورات القضائية الاخيرة ان حاكم مصرف لبنان السابق واجه اتهامات بالاختلاس والتزوير، حيث تم توقيفه في قضايا مرتبطة بشركات الخدمات المالية، مما وضع حدا لثلاثة عقود من الهيمنة النقدية المطلقة، لكن هذه المحاسبة لم تعد للمودعين اموالهم المفقودة.
واضاف المحللون ان اختزال الازمة في شخص واحد يعد تبسيطا مخلا، حيث شاركت حكومات متعاقبة وقوى سياسية في بناء هذا النموذج المالي القائم على الاستدانة، ويبقى المودع هو الخاسر الاكبر في هذه العملية الطويلة التي حولت لبنان من سويسرا الشرق الى دولة تعاني من اعمق ازمة اقتصادية منذ قرون.
واكدت الوقائع ان نهاية حقبة سلامة لم تنهِ الازمة، بل كشفت عن حجم الخراب الذي اصاب المؤسسات المالية، حيث تستمر القيود المصرفية وتتفاقم المعاناة المعيشية في ظل غياب حلول جذرية تضمن حقوق المودعين وتعيد بناء الثقة بالقطاع المصرفي المنهار.
